يقف حكام ومسؤولون كبار في إسرائيل أمام موجة الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في إسرائيل، مستغربين ومتسائلين: ما سبب هذه الاحتجاجات التي تأتي في الوقت الذي تسجل فيه أعلى نسب النمو الاقتصادي من بين الدول المتطورة، والبطالة تصل فيها إلى أدنى مستوياتها منذ 24 عاما، والفقر بين اليهود بالكاد يصل إلى 12% مقابل حوالي 50% لدى فلسطينيي 48.
أسئلة المسؤولين الاسرائيليين ومن بينهم محافظ بنك إسرائيل ستانلي فيشر، وبطبيعة الحال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وغيرهما، هي أسئلة كثيرة، وفي خطوطها العريضة لها أساس حقيقي بموجب المنطق القائم في إسرائيل، وهذا ما يعزز لدى أوساط الحكومة وأحزاب اليمين المتشدد نظرية المؤامرة، بأن جهات سياسية تقف من خلف هذه الاحتجاجات، كي تضعف حكومة نتنياهو في الشهر المقبل، بالتزامن مع صدور قرار الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
حقيقة أن المعطيات التي يتحدث عنها هؤلاء المسؤولون صحيحة، فاسرائيل لم تطلها الأزمة الاقتصادية العالمية التي نشبت في العام 2008 سوى لبضعة أشهر قليلة، وسرعان ما خرجت منها، لتعود إلى مسار النمو الاقتصادي بوتيرة سريعة، ولكن في نفس الوقت فإن فيشر يتناسى تقريرا أعده بنفسه، وقال فيه إن ثمار النمو الاقتصادي بقيت محصورة عند كبار المستثمرين ولم تصل إلى الشرائح الدنيا.
كذلك فإن المسؤولين يتناسون أن كل التقارير الاقتصادية العالمية التي تصدر تباعا منذ سنوات طوال تؤكد على أن في إسرائيل أكبر الفجوات الاجتماعية على الإطلاق من بين الدول المتطورة، وهذا ما يجعل الشرائح الوسطى "تنتفض غضبا"، وهي تشعر على جلدها أنها لا تأخذ حصتها من "العسل" المتدفق على "دولتها".
قبل بضعة اسابيع، نشرت في إسرائيل قائمة أكبر 500 ثري في إسرائيل، بطبيعة الحال كلهم من اليهود باستثناء عربي واحد يحل في المرتبة "الدنيا" 490، ولكن قبل ذلك، ظهر بحث اقتصادي بيّن أن 22 مجموعة اقتصادية تسيطر على 50% من الاقتصاد، والرقم الأبرز هو أن 10 عائلات في إسرائيل تسيطر على 30% من الاقتصاد ككل، وهي صاحبة نفوذ ضخم في المؤسسة الحاكمة.
وفي الشهرين الماضيين نشرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" في موقعها على الانترنت "واينت"، سلسلة تقارير حول اليهود في الولايات المتحدة، وأبرزهم كيف جمع اليهود ثروتهم هناك، ولو أن أحدا ليس يهوديا كتب هذا التقرير لاتهموه باللا سامية، إذ يتباهى التقرير بسيطرة اليهود على مفاتيح كبرى في الاقتصاد الأميركي وعلى الكونغرس والوظائف الكبرى في البيت الأبيض، والأهم الأهم، على كبرى وسائل الإعلام، والقائمة تطول.
وفي هوامش هذا التقرير، تذكر كاتبته ما واجهه اليهود في روسيا القيصرية من نقمة عامة في العام 1887 في أعقاب أزمة اقتصادية كبرى، ونعرف أن التربة الخصبة التي نشأت عليها النازية الألمانية في سنوات العشرين والثلاثين من القرن الماضي كانت الأزمة الاقتصادية العالمية التي نشبت في نهاية سنوات العشرين، وفي الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الولايات المتحدة قبل نحو ثلاثة أعوام وما تزال آثارها تعصف، قرأنا الكثير من التقارير التي حملت أصابع اتهام وجهت لأثرياء يهود كبار في أميركا.
لم تنشأ الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر سعيا لبناء إسرائيل التوراتية، ولم يُقم هذه الحركة رجال دين يهود، بل رجال أعمال ومستثمرون ومن يدورون في فلكهم، سعوا لإيجاد بقعة جغرافية في العالم يجتمعون فيها تحت غطاء ديني لتضمن مصالحهم الاقتصادية، ولهذا ليس صدفة ان ثيودور هرتسل راح يفكر بإقامة إسرائيل في أوغندا، وفي نهاية المطاف كانت الضحية فلسطين.
نقول مرحليا، إننا كما يبدو أقرب من أي وقت مضى، لرؤية نقطة الصدام بين الصهيونية المستشرسة سياسيا واقتصاديا، وبين الجمهور اليهودي الواسع، الذي في الجوهر هو كباقي المجتمعات، يريد ممارسة حياة طبيعية وبمستوى معيشي تتناسب مع معطيات الزخم الاقتصادي التي يقرأها تباعا، ولكنه على مر السنين هو أسير لدعاية الترهيب والتخويف الصهيونية من العدو الذي يريد أن يقضي على وجوده، وأن واجب على "الشعب" أن يقتطع من لقمة خبزه لتمويل آلة الحرب الإسرائيلية، في حين أن كبار الأثرياء في إسرائيل يجعلون من الصراع الإسرائيلي العربي أيضا مصدر ثراء فاحش، أسماه شمعون بيرس بنفسه: "رأسمالية خنازيرية" ليصف وحشيتها في إسرائيل، رغم أن بيرس هو أيضا من الأثرياء الكبار.
نحن أمام أزمة داخلية إسرائيلية أخرى، قد تهدأ بعد أسابيع قليلة، ولكنها حتما ستنشب مجددا سوية مع أزمات أخرى وكثيرة ستحسم مستقبل الكيان.
