مراهقة مسكونة بالهم الوطني

single
أبدأ من حيث انتهيت بمقالة سابقة قبل حوالي الثلاث سنوات (نشرت في ملحق الإتحاد الأدبي  6.7.2007 تحت عنوان "فضيلة في روايتي ثاء الخجل واكتشاف الشهوة")، أشعر وكأنني أكتب مسلسلا لا ينتهي فيما يخص الأنثى.. والحديث هو عن الكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق وروايتها "مزاج مراهقة" (التي صدرت عن دار الفارابي، بيروت ، ط 2 عام 2007).
قلت حيث انتهيت أن فضيلة الفاروق تكتب لأن المخيلة هي الشيء الوحيد الذي لم يدجن بعد. وتكتب لأن الكتابة تعويضٌ عن الخسارة. وها هي في آخر روايتها هذه "مزاج المراهقة" تكرر ولا تمل من التكرار بأنها "تعوّدت ارتشاف مآسي الوطن، مثلي مثل كل المثقفين الذين يحتمون بأوراقهم وأقلامهم من انكساراتهم المتكررة" (ص301) وبأنها تكتب لكي لا تصاب بالجنون من جراء "وطنها الذي ينتحر من على أكتاف أبنائه" (ص281).. وطنها الذي يمر بمرحلة انتقالية طال أمدها. وطنٌ يَعيش فينا بخيارين اثنين فـ "إما ان نصبح إرهابيين أو نقتل على ايديهم"! (ص225) وطن بدأ الانتحار باغتيال بوضياف ثم رجال الشرطة والجيش والمثقفين والمواطنين العاديين بسبب أو بغير سبب.
وأما الكتابة فلها قدرة مضاعفة أولا هي تحمي من الجنون وثانيًا تعطي قوة للكلمة حتى انها تحمي ايضًا من الموت.. "فالكتابة أقوى الأسلحة ضد الموت" (ص141)
والأدب هو فكر ولغة.. إنه عملية تفكيك وإعادة تركيب بعقل نقدي. واللغة العربية هي جزء حقيقي من المجتمعات العربية وهي ليست مجرد كلام فصيح.. هي جزء عضوي من التراث والاقتصاد والسياسة حاضرًا ومستقبلا... ولذلك حتى عند من يسميهم الإسلامويون " كفرة "- إن "قراءة القرآن تقوّي معنويًا ولغويًا".
ولذلك بطلتنا في هذه الرواية ( وأعتقد أنها الكاتبة نفسها) بعد أن فشلت في دراسة الطب التجأت إلى حضن تلك "اللغة الماردة"، فدرست آدابها وامتطتها وعملت على تفكيكها وتركيبها من جديد على هواها حتى تدخل الحياة مع أدواتها وحتى تتمكن من الغوص في أعماقها وعلى ظهرها أدوات الغوص ومعداته.
     قال لها خالها: إمشي على مهلك، تصلين أسرع! لا تخافي. وقال لها عشيقها الابن الذي كان يغار من أبيه: "المشاعر كالأذواق، والأذواق لا تناقش". وكانت قد علقت في حب ابيه تبحث عن حنان ابيها الذي افتقدته وعن حاجتها "المتوحشة" إلى حنان رجل وحماية رجل يعيد لها توازنها، لأن اجمل ما في الحب ما يخالف المنطق فالحب كثيرًا ما يجلس على الكرسي غير المعد له كما قالت أحلام مستغانمي ذات رواية.
أما هو -الإبن- فقد وجد فيها صفات أمه التي حُرِم منها. من هنا نطل على عقدتي إلكترا  وأوديب مجتمعتين.
"مزاج مراهقة" عنوان مخادع.. فيه حيلة أدبية.. فهي الكاتبة من خلال هذا المزاج العاصف المتقلّب المتردد الثائرالمستعر العاطفي العقلاني تعالج مشاكل الجزائر والعالم العربي والإسلامي المراهقين في مواضيع الحجاب والحب والحرية وأزمة السكن والدين والعادات والتقاليد وحركة الحياة المتفائلة.
تقول إن  ما يحدث هو من صنع أيدينا. ففي الجزائر ذهبنا إلى صناديق الاقتراع لا لكي ننتخب إنما لكي ننتقم بشكل غير سوي من جبهة التحرير... تمامًا كما ذهب الفلسطينيون- فيما ادّعي- إلى صناديق الاقتراع للانتقام من فتح ومن السلطة ومن بعض فاسديها ومفسديها.. فانتخبنا الله المنتخب أصلا والذي لا يحمد على مكروه سواه!

قد يهمّكم أيضا..
featured

أقْبِيَة أجهزة الظّلام

featured

تونس كي لا نعود إلى وضع ما قبل الإنتفاضة

featured

فتوى لهدم الآثار الدينية في تعز

featured

ألمدلول السياسي من الرواية الاسرائيلية حول "سفينة الاسلحة الايرانية"!!

featured

العمّ الغالي سميح.. الإنسان الرّائع

featured

الزيتون الفلسطيني أيضًا يقاوم

featured

إهانة النساء إهانة لنا جميعًا