صفحة من تاريخ كفرياسيف المشرق

single

يتغّنى الكفارسة الواعون والأوفياء -وبحق- بتاريخ بلدتهم الحضاري والنضالي . ومن أحق منهم بذلك؟
الم يكن لهم أول مجلس محلي في عموم قرى فلسطين.؟ الم يكونوا من أوائل من أقاموا سوقا تجاريا مزدهرا ّأمه جميع سكان فلسطين ؟ الم يكونوا أول من بلطوا شوارع قراهم وأناروها بالقناديل قبل أن تصل الكهرباء بعشرات السنين ؟ الم يكونوا من أوائل من مارسوا الرياضة على مختلف أنواعها ؟ فهل عرفتم في أي قرية أو مدينة قريبة ساحة تسمى ساحة "التنس" حتى اليوم مع انها اليوم كئيبة خاوية ؟ّ! الم يكونوا من أوائل من أقاموا المسرح ومارسوا التمثيل ؟ الم يخرّجوا أوائل الأطباء والمحامين والمهندسين وعلماء الآثار والمفتشين وحتى علماء الذرة ؟ الم يشغلوا أرقى الوظائف الحكومية زمن الانتداب البريطاني ؟ الم يحافظوا على أعلى نسبة اكاديميين ولعشرات السنين على مستوى الدولة كلها ؟ الم يكونوا السباقين في جميع المجالات العلمية والثقافية والنضالية ؟ الم يكونوا اثبت وأشرس من قاوم عربات الرحيل إلى خارج البلاد ؟ الم يكونوا أعند من قاوم الحكم العسكري خلال عشرات السنين ؟ الم يكن رئيس مجلسهم المحلي خالد الذكر يني يني في طليعة مؤسسي الجبهة الشعبية وكان رئيسا لها ؟ الم ينشروا الوعي السياسي في عشرات القرى ومدن الجليل ؟ هل صدفة قال فيهم اميل حبيبي تكفرسوا يا عرب ؟
لا مجال لحصر ما قيل في كفرياسيف ولست بصدد القيام بدراسة حول تخطيط الدوائر السلطوية المختلفة للحد من تأثير الوهج النضالي الوطني المنبعث من كفرياسيف على بقية القرى والمدن العربية وحتى على الشارع اليهودي في جميع انحاء البلاد .
هل يفقد المعدن الثمين شيئا من قيمته إذا كساه بعض الغبار ؟ وإذا وضع في غير موضعه أو إذا لم يحسن أهله استعماله ؟ وكما قيل فلكل حصان كبوة. وتمر الجماهير والشعوب نتيجة لتعقيدات كثيرة بحالة من اليأس والإحباط .
وهذا ما يحدث اليوم في قريتنا وقرانا المختلفة ولدى شعوبنا العربية قاطبة .
وفي مثل هذه الحالة نحتاج لمحرك أو محفز للجماهير أو حتى إلى صدمة كهربائية في بعض الحالات لتستعيد جماهيرنا وعيها وصحوها . وهو ما وصفه الكاتب الكبير توفيق الحكيم "عودة الروح" .
وهذا ما كان في السبعينيات من القرن الماضي وتحضيرا لاحتفالات مرور خمسين سنة على تأسيس مجلسنا المحلي "1925-1975" اليوبيل الذهبي لتأسيس المجلس المحلي . إذ استطاع مهندس سياسي مستندا على معرفته بتاريخ كفرياسيف الحضاري والنضالي وعلى ثقته بمعدن أهلها الصلب والنقي، استطاع استنادا إلى خبرته وموقعه السياسي في قيادة الحزب الشيوعي وبالتعاون مع عدد من الشباب المعطائين والغيورين على مصلحة ومستقبل قريتهم وأهلهم وكانت أعمار معظمهم حينذاك لا تتجاوز الثلاثين عاما . شباب من مختلف العائلات والطوائف ومختلف الانتماءات السياسية مما يثبت أن الخير والعطاء والوطنية لا تنحصر في عائلة أو طائفة أو مذهب سياسي . فالخير موجود ومترسخ في كل فئات شعبنا . ومن اجل الحصول على المعدن الثمين نحتاج البوتقة والأيدي العاملة لصهر هذه المعادن . نحن بحاجة الى عاملات النحل لتجمع الرحيق من الأزهار الجوية والبرية لتصنع منها الشهد .
وكانت لجنة اليوبيل التي أحدثت الزلزال الحضاري في كفرياسيف وأذنت بإعادة البناء .
لا يختلف اثنان على أن مهندس لجنة اليوبيل ومصممها هو الرفيق نمر مرقس ،حيث أوصله هذا الزخم وهذا المد الثوري لرئاسة المجلس المحلي وأوصل معه إدارة جبهوية لمدة عشرين سنة  . إذ كانت لجنة اليوبيل رافعة لإعادة بناء الجبهة ورص صفوفها . لا شك أن احد أهداف نمر مرقس -وفرع الحزب في حينه- غير المعلنة كان إعادة بناء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ورفدها بقوى جديدة وكان لهم ذلك .
ولكن رأيي المتواضع ان النتيجة الثانية لتأسيس لجنة اليوبيل لم تكن اقل أهمية من النتيجة الأولى . وهذه النتيجة هي تأكيد وتثبيت إحدى البديهيات وهي طيبة شعبنا وأصالة معدنه .

    لم تعتمد هذه اللجنة الفلسفات والتنظير والخطابات الرنانة بل اعتمدت العمل التطوعي، اعتمدت الصلة بالجماهير . العمل التطوعي كان البوتقة التي انصهرت فيها جماهير كفرياسيف . حيث التقى مدير المدرسة الرزين والرصين والطبيب والمحامي والمهندس والمحاسب والمعلم والعامل والمهني رجالا ونساء شيبا وشبانا انصهروا جميعا وكانوا شعلة مضيئة . وكان السباق من يبذل جهدا اكبر ومن يقدم تضحيات أكثر ومن يقدم ضيافة أفضل وطعاما شهيا أكثر .
لن أناقش الانتقادات حول العمل التطوعي لان من لا يتذوق طعم البذل والعطاء لا يستطيع أن يفهم أو يقدر العمل التطوعي . العمل التطوعي هو سلاح بأيدي الجماهير ضد السلطة وهو وسيلة هامة جدا في توحيد الجماهير وصقلها .
لقد شرفتني لجنة اليوبيل ولفترة طويلة بإسنادها لي مسؤولية قيادية في اللجنة وبهذه الصفة وبمسئولية جبهوية  ومسؤولية حزبية فيما بعد دخلت معظم بيوت القرية ولمست عن قرب طيبة وغيرة هؤلاء الناس على قريتهم وعلى شعبهم وحتى عندما لم يستطيعوا أن يظهروا مواقفهم الوطنية على الملأ لأسباب معيشية عبروا عن مسؤوليتهم حتما وبطرق مختلفة .
لن ادخل تفاصيل عمل اللجنة وعمل أعضائها وعطائهم حتى لا اغمط حقهم، واترك هذا العمل الشاق لزميلي وصديقي ورفيق دربي "أبو إبراهيم"  خليل كريني والملقب بـ "ابو اليوبيل" الذي عاش نشاطات اليوبيل وتنفسها وحلم بها .
وكان الزميل خليل قد أعلمني انه ينوي أن يؤرخ فترة اليوبيل في كتاب، فباركته وتمنيت له النجاح في هذا العمل الشاق .
ولكن رغم اتكالي على الزميل خليل وثقتي في موضوعيته ومهنيته إلا أنني أجد لزاما علي أن أؤكد انه قبل أن تشرفني  لجنة اليوبيل بالمسؤولية كانت قد شرفت وتشرفت بإسناد قيادة العمل في لجنة اليوبيل إلى الشاعر والفنان الوطني الملتزم الدكتور سليم مخولي الذي كرس شعره وفنه بالإضافة إلى مهنته الإنسانية لخدمة شعبه سواء في الطب أو في لجنة اليوبيل أو لجنة الدفاع عن الأراضي أو في جمعية إبداع .
كما لا بد أن أؤكد إلى أن العمل التطوعي وهو جوهرة انجازاتنا وخير ما نعتز به استمر وتضاعف بعد أن تسلمت الجبهة إدارة المجلس المحلي . وكان العمل التطوعي جزءا أساسيا من عمل إدارتنا الجبهوية في المجلس المحلي وكانت الأعمال التطوعية تبرمج وتدرس بشكل دقيق ومنظم في سكرتارية الجبهة ثم تنقل إلى إدارة المجلس وتؤخذ فيها القرارات وتنفذ بشكل دقيق ومسؤول . وقد تم تنفيذ أعمال ضخمة رغم شح الميزانيات والحصار المفروض على إدارتنا الجبهوية وقد تحمل دورا رئيسيا وأساسيا وبصفة رسمية كنائب رئيس ومسؤول عن العمل التطوعي الزميل نعيم شحادة الذي تفرغ تبرعا ولفترة طويلة للإشراف على تنفيذ الأعمال التطوعية بالإضافة إلى مسؤولياته الأخرى كنائب متفرغ وبدون راتب أيضا . واستحق على ذلك شهادة العمل التطوعي في مسابقة قطرية على مستوى البلاد وبشكل رسمي تسلمها من قبل وزير الداخلية .
هذا غيض من فيض لا استطيع أن أوفي الشباب والشابات حقهم مهما بذلت من جهد . فأي تقدير تستطيع أن تقدمه لصبايا بعمر الورد وأذكى من العطر يتسابقن في تحميل الحجارة (الدبش) وتقديمه للبنائين لأسوار الطلياني في الأماكن المختلفة . أي تقدير تستطيع أن تقدمه لنساء فاضلات تركن بيوتهن لأيام متواصلة من اجل تحضير الطعام الشهي لمئات أبطال العمل التطوعي ؟ أي تقدير أو شكر تستطيع أن تقدمه لمدير مدرسة أو طبيب أو مهندس أو محام يكادون لا يمسكون قشة في بيوتهم يخرجون إلى الشوارع حاملين المكانس لكنس شوارع القرية ؟ هذا هو وجه كفرياسيف الناصع .هذا هو اليوبيل الذي أعاد لكفرياسيف بهاءها أعاد إليها وحدتها وتآخيها وأذاب الفوارق الاجتماعية والسياسية بين أهلها . فحافظوا على هذا التاريخ ولتكن أيامكم كلها يوبيلا .
   وكم نحن اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لإضاءة شعلة اليوبيل من جديد لتعيد وحدة وتقارب القلوب على وهج العمل التبرعي .لنعيد مجد كفرياسيف . ولتبق كفرياسيف كما كانت دائما للدنيا نوارة .

 


(الكاتب: سكرتير لجنة اليوبيل سابقا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الأكراد في العرق والعدل الاجتماعي؟

featured

إستيطان وصفاقة معًا!

featured

الرّياء الأمريكي

featured

من الواجب الوطني إحباط المخطط

featured

لدعم مطالب لجنة التعليم والرؤساء !

featured

عاصفة التحريض مستمرة..!

featured

من والى أبو سنان وأخواتها