نحن من يُصدّعُ تمثيلنا رأسَ البرلمان: إلى فايز ارشيد في عُقرِ مُغَالطاتهِ!

single

*..ونحن من تصدّى لتوغّل المستوطنات في  أراضي البطّوف، والرَّوحة على حدٍّ سواء. نحنُ من حاكم الجيش والشّرطة حين قتلوا أبناءنا. ونحن من سدّ حلوق المتصهينين بالشّوك الّذي لا تراه أنت، ووقفنا سدّا أمام مخطّطات التّهويد. نحن من وثّق أسماء المجازر نياشين في حكايا يريدها اليهود حكاياهم، ونقش التّاريخ وشما على جبين حيفا وعكّا وصفد*


أجمل تظهير لحضورنا أن يقال: فلسطينيّيو الثمانية وأربعين، وأعمق فجيعة أن نُمرَحَ على خبز ناشف في طابور المستعربين. قلّة يفهمون خصوصيّة موقعنا على هذه البقعة المُحتدّة من العالم، واسمها فلسطين. كانت فلسطين وتبقى فلسطين. هذا الإعلان يرتبط على نحو مثير للتّساؤل بمقالة سجّلها الطّبيب الكاتب فايز ارشيد على موقع الخليج بتاريخ 30.12.014، ويبدو غوِيًّا أثار فكرتها المنسيّة هذه الأيّام أيضا. والمقالة تنتقدُ، بكثير من السّطحيّة والسّذاجة تبلغ أحيانا  حدّ السّخرية، التّمثيل الفلسطيني لفلسطينّيي الدّاخل في البرلمان الإسرائيلي بذريعةِ أنّنا منذ احتلالنا عنوة، بعدَ تطاير بساطير الجيوش العربيّة السّامقة من حولنا، تحت موبقة الخيانة، لم نمنع مجزرة واحدة، ولم نتصدّ لمصادرة أراضينا. وأنّنا لم نمنع قانونا عنصريّا واحدا من التحقّق!
شدهنى غياب المصداقيّة لدى كاتب المقالة. وحين حاولتُ استقراء جذور هواجسها فكرا وتاريخا، لم أجد تبريرا واحدا لغيِّهِ ذاك. ومكانها عثرتُ على نزق أفكار مبعثرة لم تتخمّر بعد! والسّؤال الّذي يلحّ الآن يتعلّق بأسباب غزو الدّبابير لخوابي العسل هذه الأيّام تحديدا! أين شبيهاتها حين يشتدّ علينا الضّيم؟ يظلّ المؤلم أنّ خطاباتنا الأتعس تُحرّرُ حين نُستفز، واتّهاماتنا الأوجع تضيعُ ضياع طلقة حين نخوّن بذريعة الوفاء لقضيّة، نحن بها الأحق! أين كان الطّبيب النّبيه حين أكلوا زرعنا، وزحفت دبّاباتهم حتّى أبواب بيوتنا. أين كان ونحن نحصد أيّامنا دمعا وقهرا؟ وقمحنا ذلًّا؟ ولينشر ما قاله حينذاك! هذا العهر الوطني لا نحتاجه من متفذلكي المرحلة، ولا متسلّقي الفكرة، وهؤلاء تحديدا سأرسلهم إلى التّاريخ يسحبون منهُ بعض جرعاتِ مُرِّنا كي يفهموا عنّا.
وللمعلومة فقط، فايز ارشيد منتم للجبهة الشّعبيّة كحركة مقاومة، الحركة الّتي قادها وديع حدّاد والحكيم بفكرهما المضيء ردحا طويلا من الزّمن. لكن لا أعرف كم شرب الطبيب من نبعهما، فواقع الحال يكشف هويّة منظِّر عاطفيّ الهوى والنّوى، تهزمه مقولة الحكيم القائل، "كونوا شوكًا في حلق الصّهاينة". والشّوك يا عزيزي الطّبيب، ومن لفّ لفّهُ لا يحتمل أن نبكي ليدَبِّبَ حِرابا  في عيون الغير، بل يجوز أن نضحك، ونحن ندفنهُ شُواظا في الحنايا، وسياط غيظ. والشّوكُ يصيرُ، وقتَ الشّدائد، حربة نناور بها مكائد الصّناديقِ والصّعاليكِ على حدِّ الوعيد. فأيّ مخرز يا عزيزي قاومتَ به، أنتَ، مخالب الاحتلال؟ كن على يقين إذًا أنّ أيّامنا كلّها مشاريع مناورة، فاختر منها أيّ مناورة تريدُ غير الأشواكِ فنّ المقاومة؟ قرّرنا أن نتحّد لمرّة، ونسدّ حلق المؤامرة، فلمَ تغضبْ، وحين يستعصي الردّ عليك، تَجرح، الضّعفاء وحدهم يقاومون بأقلام مكسّرة حين يحلّق فوق ورقهم المُحرَجِ  دم  طائر، ويتفرّق شمل ذاكرتهم حين تسقط مفاتيح خوابي الزّيت من أعناقهم. حقّك أن تغضب، لكنّك لن تلغي هال الحبر، ولا أصالة الزّعتر. كنّا لا نعرف قبل أن نعلن الاصطفاف كيف يموتُ الأعداءُ حقدا، لكن حين فعلنا أدركنا أنّ اقتراعنا فعل مقاومة يُهوسهم حدّ اختناق الرّأس بموت العبارة. والمقاومة تعني أن نتكردشَ قرص عسل فوق صندوق يحمل مصير بقائنا، ونعلن أنّنا قد نموت سكرا في صحن عدس، لكن ممنوعٌ أنْ نهوي فَراشًا عانق الدّبس حين اشتهى العسل.
شدهني كلّ هؤلاء، الّذين نصّبوا أنفسهم حكّاما على قرارات داخليّة تخصّ بقاءنا نحن على هذه الأرض، واليوم أعمق من أيّ وقت مضى. فتاريخنا لم يهمل قصاصة واحدة. وكلّ الّذين يعانون من قرحة مزمنة في الذاّكرة وتحدّب في الرّؤيا مطالبون، والآن بالعودة إلى تاريخ فلسطين الـ 48 من أوّله. ولفايز ارشيد، ومحيطه أضيف، إقرأ عنّا نُوابًا وبَشرًا.. فنحن، بتمثيلنا البرلماني ونضالنا الشّعبي من أعاد أراضي المل عبر انتفاضة يوم الأرض عام 76، حين حشد رابين جيشه صوب الجليل ضمن خطّةٍ معدّة لمصادرته. ونحن من تصدّى لتوغّل المستوطنات في أراضي البطّوف، والرَّوحة على حدٍّ سواء. نحنُ من حاكم الجيش والشّرطة حين قتلوا أبناءنا. ونحن من سدّ حلوق المتصهينين بالشّوك الّذي لا تراه أنت، ووقفنا سدّا أمام مخطّطات التّهويد. نحن من وثّق أسماء المجازر نياشين في حكايا يريدها اليهود حكاياهم، ونقش التّاريخ وشما على جبين حيفا وعكّا وصفد. لم نفعل الكثير في القدس، وجهتكم أنتم ومربطكم، هل تتوقّعون مثلا أن نقود حملة تحريرها أيضا، وعالم واسع أخرس يتفرّج؟ هل تتوقّعون مثلا أن نفتح أبواب القدس، ونهيّئ لكم طريقا معبّدا بالورد لتمرّوا عبر أكاليل غاره إلى البلدة القديمة مثلا؟ قطعا لم تساوركم أمثال هذه الأحلام! دعوا أحلامنا الصّغيرة لنا، بجبهة تحرير صغيرة بحجم أرض المَل. نحن من يُصدّعُ تمثيلنا رأس البرلمان، خوّفنا طرقات المستوطنين، أفزعنا الجيش حين أغار. أقلّ ما يمكن أن تقولوا شكرا. شكرا لصمودكم، وإصراركم على أن تكونوا الغصّة في الحلق ما شاء الغدر!
حاولوا ويحاولون أن يهزموا لغتنا، لكنّهم كلّما كادوا كِدنا. وكلّما تغوّلوا قاومنا. المقاومة مشروع مكيدة، يا عزيزي، تنفّذها سرا شأن العلن في توقيتها، وساحاتها. لم نصدأ كسلاح مؤجّل، ولن أشكر الدّيمقراطيّة الإسرائيليّة على تشريع حريّة التّعبير والتّمثيلِ بحقّي، لأنّها فريضة أنتزعها من عيونهم، هي مقاومتنا الباردة  فيهم. ندسمُ بها لياليهم الصّافيةِ، ليلة ليلة. وساعة بساعة كمكائد حرب باردة، أمّا أنّك لم تسمع بحرِّها، فمشكلتك! حنكة المقاوم بردا أن يتعلّم تكتيك استدراج الذّئب لعقر داره، ويحذر أن يكون فريسة سهلة لحيلته.
لقد استرسلتَ أكثر ممّا ينبغي لنماذج هالكة لم نلمع في تاريخها المُنتَقى. لذلك سأترك ما أوردته مشاريع طازجة لمقالة منكَ قادمة تائبة. فالتّوبة قوّة، وبرَكة. لكن، من فضلِكَ لا تهِنْ التّسميات الّتي تليق بمنجزنا، ولمّع هذه العبارة في أذنكَ، فلسطينيّي الـ 48 . لسنا عرب العاربة الّتي افتتن بلحنها قوم ليسوا منّا، لا نعرفهم نحن، ولا نريد مسمياتهم. احتضنها معهم إن شئت، لكن لن تقربَنَا معها. لمّع سمعك جيّدا لأنّها لن تمرّ في زلّةٍ قادمة! سنظلّ استثناء الجموع وننتمي للعروبة الجميلة.. العروبة القبيحة الّتي يلمّعها خفيفو الظلّ جزافا بها كَنادرَهُم، حتما لا تخصُّنا.
تتعمشق ديمقراطيّة ليست ضمن تخصّصاتك. اتركها لننتقي منها ما يناسبنا. بالمساحةِ الّتي تتّسعُ لأقدامِنا. نرفُشُ بها بساطيرَ الجنُودِ والجحودِ على حدٍّ سواء! ومخبرين لم تصادفهم يؤرّقون سفَرنا، وقهوة اغترابنا. أنتَ تلوكُ ذاكرة بلا دلائل، ونحن نجرَعُ مُرَّ واقِعِها. ماذا تفهمُ أنت من العنصريّة وهي تقف على أبواب المتاجر والبنوك، والحافلاتِ، والمحميّات؟ ماذا تفهمُ من يوميّاتنا المقيتة، وأحزاننا الوحيدة. أنت تتبجّحُ كلامًا مُفكّكا، ونحنُ نفكّكُ واقعا لا تراهُ تصوّراتك. وربّما عليكَ أن تفهمَ أنّ تفجيرَ العقائد في هذه المرحلة، أوجع من تفجيرِ الأدمغة.
لن أتحدّى حبركَ، لا موطئ قدمٍ يصلُحُ للدّوسِ في مزرعة البازيلاء الّتي عمّقتَ حُفَرّها، وضلّلتَ شَتلَها، وأبقيتَ لنا مزارعَ السّماءِ نكبّرُ فيها أحلامنا، نفلحُها، ونسقيها، وكلّما خذلتنا بِذرة نُلَحِّقُها. هل تفهم معنى أن نلحّقَ البُذورَ؟ لم تعش طُموحَ الفلاحينَ لتفهم، ونسمِّدها بزِبلِ البعيرِ، لا نزالُ. هذه تكتيكات لا تخصّك ووقائع ولو كانت زِبلا لن يخوضَ فيها رأسُكَ ولا قدُمك. هي اختصاص أبناء الأرضِ وحسب!
لك الكلام المبعثر، ولنا الخِطابُ المنمّر. لنا جمَلٌ قليلة ننثرُها في فضاء القلبِ حُلُمًا لنصعد. ولك كلماتٌ شوّهت الجمالَ وأوغرت صدرَ الشّوك، لو تعلم. هي بازيلاؤكَ، وتلك فضاءاتُنا. لا تنبش بذورَ الفضاءِ، لئلا تتساقط في عينيك كِسَفًا من السَّماءِ وتندم!

قد يهمّكم أيضا..
featured

"عابرون في كلام عابر "

featured

ألخبز والأمن للفقراء والجياع !

featured

رأس واحد للارهاب والاستيطان

featured

شرق أقصى جديد

featured

المجتمع العربي هو حقًا مثل المرأة العربية المعنفة

featured

مجابهة العنف

featured

لذكرى رفيقنا سليمان بركة

featured

بامكان الحب أن يعزف وأن ينزف!!