ألتقارير الأخيرة المتعددة الصادرة عن منظمات وجمعيات دولية، عن الأمم المتحدة وغيرها، حول ظروف معيشة وحياة الانسان على الساحة الدولية في مختلف البلدان في السنة الأخيرة، تشير معطياتها الى حقائق مأساوية صارخة. ففي مركز هذه المعطيات تبرز حقيقة تفاقم حالة الفقر وازدياد عدد الفقراء والمحتاجين في العالم الذي تخطى في السنة الأخيرة حاجز المليار فقير معدم ممن لا يتجاوز معدل دخل الفرد الواحد منهم الدولارين، وتتعدد أسباب تفاقم الفقر والمجاعة وزيادة حدة هذه الظاهرة المزمنة في بلدان العالم، خاصة في البلدان النامية في افريقيا وغيرها، بسبب الأزمة المالية الاقتصادية الخانقة التي اجتاحت العالم الرأسمالي. فهذه الأزمة عمّقت فجوات التقاطب الاجتماعي بين البلدان الصناعية الرأسمالية المتطورة والبلدان ضعيفة التطور وداخل البلدان الصناعية المتطورة. فقد زادت أزمة الأمن الغذائي حدة بسبب أزمة أسعار المواد الغذائية التموينية وتراجع الانتاج الزراعي في البلدان النامية وانخفاض الطلب من البلدان المتطورة على المنتجات الزراعية من الدول الافريقية وغيرها. كما أن انخفاض سعر الدولار الأمريكي، سعره التبادلي بالنسبة للعملات الأخرى في سوق التداول على الساحة العالمية قد أدى الى زيادة اسعار المواد الاستهلاكية خاصة وأن أكثر من ثلاثة وستين في المئة من التداول التجاري والاقتصادي يجري بواسطة الدولار الأمريكي. اضف الى ذلك زيادة البطالة والأسباب البيئية والسياسية من قحط وتصحّر وأنظمة متعفنة في عدد من البلدان النامية، سياستها في غربة عن التنمية الاقتصادية وتخطيط وانتهاج برامج لدفع عجلة مواجهة الفقر والمجاعة.
صحيح أن التمييز القائم في التقسيم العالمي الرأسمالي للعمل في ظل الطابع الوحشي للعولمة الرأسمالية الخنزيرية يعتبر سببًا مركزيًا أساسيًا في توسيع وتعميق فجوات التقاطب الاجتماعي بين الدول الغنية المتطورة والدول الفقيرة ضعيفة التطور في بلدان "العالم الثالث" وداخل كل بلد رأسمالي وبضمنها الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان الاتحاد الأوروبي وكندا واسرائيل وغيرها، هذا صحيح ولكن هنالك أسباب أخرى "زادت الطين بلة" بتفاقم حالات الفقر والمجاعة وتردّي مستوى المعيشة. فالحروب الاستراتيجية العدوانية الامبريالية وتأجيج الحروب والصراعات الدموية الاقليمية والطائفية والقومية والمذهبية، قد عمقت مآسي الفقر والمجاعة وتردّي مستوى معيشة الملايين في البلدان التي وقعت شعوبها ضحية العدوان الاستراتيجي الاستعماري. فالحرب الامبريالية الانجلو- أمريكية العدوانية على العراق واحتلاله قد ولّد مآسي قتل أكثر من مليون عراقي وتشريد بين ثلاثة الى خمسة ملايين عراقي داخل وخارج العراق هربًا من جرائم الحرب ولتوفير مسكن آمن بعد أن دمّر المحتلون الأحياء السكنية في المدن والقرى العراقية. كما أنه بسبب جرائم الاحتلال الأمريكي انتشرت البطالة وأصبح أكثر من أربعين في المئة من بلد الخيرات الزراعية والنفط في العراق يعيشون تحت خط الفقر. ونفس المأساة يواجهها الشعب الأفغاني بسبب الاحتلال الأمريكي- الأطلسي، كما يواجهها الشعب العربي الفلسطيني في ظل الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي الاجرامي.
ولمحراك الشر الامبريالي دوره الآثم في تأجيج الصراعات والحروب الأثنية والقومية والمذهبية في السودان والصومال وتشاد واريتريا وموزمبيق واليمن وغيرها، وذلك بهدف تمزيق أوصال الوحدة الاقليمية الوطنية في كل بلد لتسهيل عملية نهب ثروات وخيرات هذه البلدان وعرقلة مسيرة التطور الحضاري فيها. فالرأسمالية كنظام عالمي وفي كل بلد هي المسؤول الأول عن الفقر والمجاعة، ولا مفر من النضال ضد الرأسمالية وجرائمها.
