يبقى يوم الأرض الخالد وذكراه أكثر من مجرد يوم نحتفل به لنتذكر ما حدث قبل ثلاثة وثلاثين عامًا ونطلق الشعارات الوطنية الرنانة وإنما عيداً للصمود والبقاء لأهلنا في المدن والقرى العربية والمدن المختلطة والمستهدفة. أن يكون يوم الأرض ممارسة يومية ودربًا من دروب النضال من أجل البقاء والتصدي لكل من يحاول المس بكرامة الجماهير العربية في أم الفحم ويافا وعكا فمن يافا نوجه تحية لأهالي أم الفحم وكل من وقف مع أم الفحم ضد محاولة إنسان عنصري فاشي تحدى جماهيرنا العربية التي أثبتت للجميع أننا معا في الشدائد وفي الأفراح والاتراح. فهل يمكن ترجمة مفاهيم يوم الأرض لتكون قاموسا يفسّر واقعنا الحالي؟
تحل علينا ذكرى يوم الأرض الخالد في يافا وهي تصارع البقاء. وليس يافا فحسب بل المدن المختلطة جميعها تعاني سياسة التمييز العنصري وانتهاك الحقوق وتجاهل الحاجات وطمس الهوية. أتحدث عن يافا وأنا واثق أن كل ما أقول يمثل ما يشعر به كل مواطن في المدن المختلطة. قبل أسابيع زرت مدينة عكا لحضور اجتماع قطري هناك، قبل الاجتماع وبعده تجوّلت في شوارع المدينة فوجدتها تكاد تكون خالية من المارة ولم يكن الأمر في ساعات الليل المتأخرة وإنما في وضح النهار. السوق كان مليئا بالخضار والأسماك الطازجة ولكن غاب جمهور المشترين من عرب ويهود. وكأن مدننا العربية الفلسطينية التي أمست مختلطة ومستهدفة تعيش يومان في الأسبوع هما الجمعة والسبت أما بقية الأسبوع فهي للراحة وطق الحنك. في يافا كذلك الأمر نجد شارع الحلوة (يفت) مكتظا بالمارة والسيارات وما أن تقرع الكنائس دخول يوم الأحد حتى تخلو شوارع يافا من المارة وكأننا نعيش منع تجوّل ويصيب المار بيافا في هذه الأيام فضول بمعرفة أين ذهب الناس؟
شاء القدر أن يترك غالبية سكان يافا مدينتهم الغالية عام النكبة بعد أن صرّح الزعماء العرب أن القضية تحتاج إلى أسبوعين وستعودون. ولكن مرّ على هذا الوعد العقود تلو العقود وبقيت يافا تنتظر أهلها الذين غلبهم الشوق والحنين ليافا. أما من بقي فكتب عليه الصمت والحرمان والجوع والعيش في ظل حكم جائر بل أجبر جزء منهم أن يكون لاجئًا في وطنه أو مدينته. أهلنا في يافا وباختصار لم تبق لهم أرض ولا مسكن وتم الإعلان عن أرضهم وبيوتهم كعقارات للبيع في المزاد العلني ولمن يدفع أكثر، فبعد أن تم هدم غالبية البيوت في حي العجمي 70% منها حسب الإحصائيات و30% من الجبلية وحرم السكان من العودة للبلدة القديمة، وحي المنشية أمسى منتزها، بقي أمامنا البحر وخلفنا بيارات يافا التي جرفت وتحوّلت إلى أحياء سكنية للقادمين الجدد من شرق أوروبا وشمال أفريقيا. وبهذا يكون الحصار على المجتمع العربي الفلسطيني قد تم والآن الخطة هي تقليص عدد اليافيين في حي العجمي وبكل وسيلة متاحة من الهدم والإخلاء والبيع بمئات آلاف الدولارات في نهاية الأمر تكون الخطة قد اكتملت والتطهير العرقي قد حدث ومشروع التهويد قد تكلل بالنجاح. في يافا تم دحر العرب من الناحية الغربية الى الشرقية من المدينة أي إلى منطقة النزهة وفي عكا هناك نزوح من البلدة القديمة إلى شارع بن عامي والشيكونات المجاورة. ومن المهم التأكيد أن سياسة السلطة كانت منذ قيام الدولة تركيز العرب في المدن المختلطة في مناطق محددة حتى أصبحنا نفكر مثلهم ووجدنا أنفسنا متقوقعين في هذه الأحياء حتى عندما سنحت الفرصة لشراء أملاك وعقارات لمن يستطيع الشراء في الأحياء الأخرى رفضنا الأمر وتمسكنا بالبقاء في حي العجمي والجبلية والآن أمسى أخوك العربي في يافا مجبراً لا بطل فلم تعد هناك بيوت للبيع في العجمي أو للإيجار وإن وجدت فأسعارها خيالية حتى المبالغ المقدمة في أوراق اليانصيب لم تعد كافية لتغطية التكلفة وليتم سد حتى مجال المقامرة للحصول على مبلغ يضمن شراء شقة أو قطعة أرض في يافا وبشكل خاص في حي العجمي إذا من الحل؟
الحل يكمن بالمثل الشعبي المعروف الذي يقول يد واحدة لا تصفق و"ما بحك ظهرك إلا ظفرك". نقول، عندما حاول بعض الشباب مجتمعين معا على دخول مناقصة وشراء قطعة أرض نجح البعض في ذلك وما هي إلا سنوات قليلة حتى نرى في حي العجمي بيوت جديدة يسكنها العرب. توجد اليوم في يافا حوالي 1500 وحدة سكنية يسكنها العرب بالإيجار المحمي، المفتاحية، وهي تدار على يد شركة عميدار التي قررت بيع ملكية البيت لساكنيه ولكن أوضاعهم الاقتصادية تحول دون عملية الشراء، على كل وحدة منها يمكن بناء طابق أو اثنين وضمان استمرار بقاء العائلات العربية في بيوتها وبناء وحدات جديدة للأولاد أو للأزواج الشابة والمطلوب أن نعمل معا مؤسسات وعائلات يافية لإيجاد الوسيلة والمخرج من هذه الأزمة وقبل أن تصبح هذه البيوت أيضا تحت سيطرة المستثمرين الجدد الذين يسعون الى إخلائنا من بيوتنا بكل ثمن.
وأخيرا أوجه نداء إلى المؤسسات اليافية طالبا أن تتوحد الجهود من أجل ضمان وجودنا وبقائنا على أرض الآباء والأجداد في يافا وأن تضع هذه المؤسسات على أجندتها اليومية موضوع أزمة السكن وأن تقف إلى جانب اللجنة الشعبية لمكافحة الهدم والإخلاء بدلا من توجيه الانتقادات والمزايدات على عملها. إن كان الهدف هو تقوية الوجود العربي في يافا وإيجاد حلول سكنية للأزواج الشابة ونحن ننتمي لشعب واحد ومصير واحد ورب واحد فما المانع من العمل معا بروح يوم الأرض والهبة الشعبية في يوم الأرض فقد نجحت جماهيرنا العربية أن تمنع الفاشية من دخول أم الفحم بوحدة صف فهل سنقف معا أمام التحديات التي تواجهنا في يافا والمدن المختلطة الأخرى أم سنبكي إذا على فرص ضاعت وأخرى ستضيع إذا لم نتدارك الأمر وبسرعة.
ليكن يوم الأرض ومفاهيم يوم الأرض درسا ودربا للنضال والصمود من أجل تحقيق الانجازات لأهلنا أينما كانوا.
