تسعة أعوام مرّت، وفي الذكرى التاسعة فقط انتبهت الى كونك متِّ في ذكرى المجزرة، مجزرة صبرا وشاتيلا. ماذا يعني ذلك؟ لا شيء، سوى ان ذكرى المجزرة التي تعرّفت اليها على صفحات "الاتحاد" من خلال الشهادات الحية المنشورة عبر الاعوام، لم تستوقفني أبدا منذ متِّ. هل تعرفين يا صديقتي اننا في وداعك غنينا "لو رحل صوتي ما بترحل حناجركم، عيوني على بكرة وقلبي معكم" ، وأذكر أن إحدى قريباتك، ربما هي عمّتك تلك التي هتفت "يا جيران ياللي سمعتوا ليش ع الحق سكتوا؟" وذلك حينما انطلقنا في مظاهرة اخترقت شوارع بلدنا، احتججنا بها على موتك، لعل وعسى نحرّك ساكنا فيها..
أمل، صراحة لقد متّ في فترة ذهبية، أستطيع ان أقول ذلك بنوع من الثقة اليوم. ذهبية من حيث شكل "الضمير البشري"، فعندما توفيت قتلا "اهتزت البلد" لكن بعد ذلك أصبح القتل عادة، ليس فقط في أم الفحم إنما في كل مدننا وقرانا تقريبا.. أما القتلة فأغلبهم طلقاء أحرار، حتى ذلك الوغد الحقير المجرّم الذي قام بإطلاق النار باتجاهكم، فأصابك، لا يزال يسرح ويمرح.
اشتقت اليك كثيرا خلال الاعوام الماضية، بالرغم من أن الحياة استمرت ولم تتوقف لحظة واحدة. عندما أمرّ بحيّكم يخطر ببالي ان انحرف بالسيارة يمينا ثم يسارا فيسارا فيمينا حتى أصل مدخل بيتكم، فأفطن كأنما فجأة انني سأجد صورة لك معلقة على الحائط، لا غير. تنهمر علي الذكريات تحمل تنورة حمراء حيكت من الصوف زرتنا بها مرة ونحن اطفالا، وتحمل وجهك الشاب البهيّ، وصوتك عبر سماعة الهاتف في منزل والدي وتحديدا تلك الليلة التي ذهبت بها ولم تعودي، اتصلتِ مساء فدعوتك لزيارتنا واتفقنا على موعد قريب جدا لكنك أخلفت الموعد ولم تأتي -كما اتفقنا- بعد ساعات.. المهم يا عزيزتي انني فعلا فعلا اشتاق اليك، اليوم وكل يوم منذ تسعة أعوام.
عندما قُتلتْ صديقتي أمل، قتلت خطأ، لكن ضحية اخرى كانت ستحتل الموت مكانها لو لم تصب أمل بالخطأ. المصيبة اليوم هي ان هذا الخطأ يتكرر بشكل متعمّد، والمصيبة الأكبر اننا نتجاهله. فلا المربّي يدلي بدلوه ولا الطبيب ولا الفقيه ولا السياسي، لنجتث هذا الخطأ من جذوره. لا أفهم نفسية التذمر التي تسحبنا نحو الهاوية وتشلّ حركتنا، أين هم الاخصائيون والقياديون والمسؤولون ليبنوا خطة عمل، خطة عمل تكون وليدة جهد عملي وليس مؤتمرات فارغة تسجّل كل "شخصية" موقفها لتريح ضميرها او لترفع رصيدها، وانا هنا لا اتحدث عن خطة عمل نتدراسها مع الشرطة مثلا، فذلك شأن وعمل آخر. إنما أقصد خطة عمل تخصّنا، في البيت والمدرسة والعيادة والملعب والمسجد والكنيسة. ما هي مشكلتنا بالضبط حتى تستعصي علينا خطة عمل؟!
هل اكتب هذه اللفتة التي نعلم بها جميعا، او هذا التوبيخ الجماعي الذي نوبخ به انفسنا جميعا، من دافع شخصي؟! في الحقيقة نعم، أكتبه لأني منذ قتلت صاحبتي أمل، فقدتُ الإيمان بأشياء كثيرة، وعندما صارت الجريمة عادة وصار الناس يقتلون واحدا تلو الآخر صرت أخاف أن افقد الإيمان بنفسي، وان أفقد حياتي أو حياة المزيد من الأحباب والاصدقاء بسبب فقدان الايمان بالنفس هذا.
وخلال كتابتي خطر ببالي احد الاشخاص الذي لطالما حكى انه يصحو كل صباح فيشعر من جديد ان ليس بمقدوره تغيير شيء في هذا العالم، فيجد ضالته بأن يسبّ العالم كل صباح ويقول له "تبًّا".
وأنا، بعد تسع سنوات لم تندمل جراحها ولن تندمل، لا أريد أن أصحو لأقول: تبًا.