من غير المؤكّد أن رئيس الحكومة الفلسطينية، سلام فيّاض، استنفد جميع الحسابات حين تسرّع فقرّر إغلاق مكاتب قناة "الجزيرة" ومنع زملائنا الصحفيين فيها من القيام بعملهم/ واجبهم. هذا على الرغم من أن فيّاض خبير في الاقتصاد يُتوقّع منه إتقان الحسابات. ويجدر به ذلك أكثر بوصفه مسؤولا سياسيّا من الصفّ الأوّل.
ذلك القرار جاء على أثر بثّ "الجزيرة" مقابلة مع عضو قيادة "فتح" فاروق القدومي، التي استأنف فيها اتهاماته للرئيس الفلسطيني محمود عباس وآخرين بالضلوع في اغتيال القائد الصامد/ الراحل ياسر عرفات. وهي اتهامات أثار توقيتها أكثر من تساؤل، سواء من حيث تبرير القدومي للتوقيت، أي بالتزامن مع قرار عقد مؤتمر فتح في بيت لحم المحتلة؛ أو من حيث الساعة السياسية الوطنية الفلسطينية الحرجة. وقد أصابت قيادات من فصائل فلسطينية عدة حين استغربت تكتّم القدومي على الادعاءات الخطيرة التي طرحها، لمدة 5 سنوات، والإقدام على كشفها ضمن سياق المناكفات السياسية الفتحاوية المحدودة، تحديدًا..
لا يملك أحد بعد ما يكفي من معلومات ومعايير للبتّ في صحة اتهامات ذلك القائد الفلسطيني، الذي ربما دفعه الغضب الى ما لم يكن ليُقدم عليه لو اعتمد قدرًا ما من التأمّل والتأنّي. ولكن في جميع الأحوال من حق كثيرين أن يأسفوا على إبعاد مركز الضوء عن مسائل غاية في الأهمية، كالحوار الوطنيّ الفلسطيني، وارتفاع منسوب النقد السياسي لسياسات إسرائيل الاستيطانية، والذي يجدر استثماره، فلسطينيًا، بأعلى تيقّظ وحنكة سياسيين.
ولكن، على الرغم من كل ذلك، فليس من حق فيّاض ولا أي مسؤول فلسطيني كمّ أفواه "الجزيرة" أو غيرها لمجرّد نقلها ادعاءات القدومي. هذا بالنظر الى أهمية دور هذه الفضائية (مهما اختلف المختلفون على تقييم أجندتها) في نقل ما يرتكبه جهاز الاحتلال من جرائم في الضفة الغربية المحتلة. وكذلك، انطلاقًا من مبدأ أنه لا يجوز للسلطات السياسية السلوك بأساليب انتقامية تجاه الصحافة حين تقوم بوظيفتها. بل على العكس تمامًا، فالصحيح والمنطقي (والمُجدي أيضًا) أن يستخدم معارضو القدومي وسيلة الإعلام نفسها لتفنيد ما يرونه غير صحيح أو أكثر.
لقد أصاب رفاقنا في حزب الشعب الفلسطيني حين رفعوا صوتهم المبدئيّ، المسؤول والمجرَّب معتبرين "قرار الدكتور سلام فياض بمنع نشاط قناة الجزيرة وإغلاق مكانها في الأراضي الفلسطينية قرارا متسرعا يندرج في إطار ممارسة الضغوط والحد من الحريات الإعلامية والصحفية في فلسطين"، ومطالبين "بالتراجع عن هذا القرار فورا والسماح بعودة نشاط قناة الجزيرة لعملها كالمعتاد"، مشيرين في الوقت نفسه "أنه كان من الأجدر قبل اتخاذ هذا القرار المتسرع انتظار كلمة القضاء في هذا المجال".
