جاري تحت المجهر

single
لا أكتب هذا، من باب الجار الذي اسكن بجواره، ولم أفتِّشْ عنهُ قبلَ أنْ أسكنَ ذلك الحيَّ، ولا أملكُ وثيقةَ توكيلٍ منه حتَّى أدوِّن رأيي في موضوعِهِ، ولا أعملُ محاميًا لأدافعَ عنهُ أو قاضيًا لأحاكمَهُ ولا رمَّالا أو بصَّارًا لأعلمَ ما في بواطنِ الأمورِ، لكنِّي أردْتُ أن اكتبَ مرافعةً عن سعادته كما فعل غيري من المتنوِّرين الآخرين، حتَّى لا يشعرَ وحيدًا أو غريبًا أو مُذنبًا ومنبوذًا في مجتمعِهِ القانوني أو بين جيرانِهِ اليهود والعرب في ذلك الحيِّ الجذَّابِ والرَّائعِ المُشرِف على خليجِ حيفا.
لكنَّ الهجماتِ التي يُعلنها أهل اليمين الصَّهيوني على أهلِ البلادِ الأصليِّين، تجعلُنا دائمًا نقفُ تحتَ مجهرِهِم، "كلَّما دقَّ الكوز بالجرَّة"، لتبدأ عمليَّةُ التَّشريحِ والتَّجريمِ (عملية تقطيعِ اللحمِ بعدَ الذَّبحِ أو اتِّهامِنا بالجريمةِ)، حاملين أمامنا قميص عثمان وأصابع نائلة، لمبايعتهم ولاءنا للدَّولة، مع كلِّ شاردة وواردة، بُكْرةً وأصيلاً، ومبايعة أجنداتهم العنصريَّة لنسيرَ إلى مسلخهم بأرجلنا، لكنَّهم لا يعرفون أنَّ لحمنا قاسٍ ممَّا قاسى، ولا تسبُرُ سيوفهم ولا سلاحهم جسمَنا..
إِنَّ الحملة التي شنَّها المتطرِّفون، من اليمين الإسرائيلي، على القاضي سليم جبران،
ما هي إلا فُقاعة إعلاميَّة، إنطفأت منذ أن نفخوها، وذهبت جُفاءً مثل الزَّبد، وعلا فحيحهم يريدون منهُ باطلاً وتضليلاً مُضِلاً لتحريض جماهيرهم وحثِّهم على هدر الدَّمِ العربيِّ في بلادنا، ليوزِّعوا، من بعدها، على أنفسِهِم نياشين الوَلاءِ وليتنافسوا على كرهِ العربِ، ليثبتوا أنَّهم وطنيُّون ومخلصون للدَّولة أكثر من غيرهم، لأنَّ هذا هو مقياسهم ومنهجهم ومفهومهم للوطنيَّة.
حين وقف القضاة عندما عُزفَ النَّشيد، لَم يُنشدْه جميعُ الواقفين من القضاة أو الحضور في القاعة، وسؤالي هو: هل يعرفُ جميعُ المواطنين كلماتِ النَّشيدِ أو اسم الشَّاعر الذي وضعَ كلماتِهِ أو من الذي لحَّنه؟ ومن أيِّ لحن مستوحى! بالطَّبع
لا..
لكنَّ عدساتِ التَّصويرِ ركَّزت على شفاه القاضي، لتذنيبه وإدانته من بعدها، بُغْيةَ "تأديب وتعليم" جماهير شعبنا من خلاله، أنَّه حتى قاضي محكمة العدل العُليا لن يسلمَ من صوتنا وسوطنا وعلى عرب هذه البلاد أن ينشدوا نشيدهم، "هتيكفا"، ومن المعروف أنَّه كان نشيد الحركة الصَّهيونيَّة، قبل نكبة شعبنا العربي في وطنه..
فكيف علينا إنشادُهُ ولفظُ كلماتِهِ "لنكون شعبًا حُرًّا في أرضنا" وهي مسحوبةٌ من تحت أقدامنا وتذكِّرُنا بنكبتنا.
لكنَّ الأمر الذي يُثلِجُ الصَّدر أنَّ القاضي لم يدافع عن نفسه ولم ينطقْ ببنتِ شفةٍ، بل أبقى بنتَ صدرِهِ في قفصِهِ، صامتًا وبحكمةٍ، في حين خرج للدفاع عنه النَّائب الشُّيوعيُّ دوف حنين ورئيس الكنيست رؤوبين ريفلين والوزير موشيه يعلون ورئيس بلديَّة حيفا يونا ياهف وجدعون ليفي حيث كتب في صحيفة هآرتس أنَّه كان حريًّا على محكمة العدل العُليا أن تُصدِر بيانها التَّالي: إِنَّ جبران لم ينشدْ، وهذا بحسب أمر من ضميره الذي يجب فهمه واحترامه" كذلك وصف صمته "وكان صمته أشدَّ جلجلة من كلِّ إصدارات حكمه" وهناك أيضًا من دافع عنه، وتجرَّأ لكن في كواليسنا، مطالبًا الدَّولة بتغيير كلمات النَّشيد لأنَّه لا يُمثِّل أماني وتطلُّعات جميع مواطني الدَّولة..
يحاولون بشتَّى الطُّرق منعَ العربِ من بلوغ مناصب عالية، وما أرادوه اليوم هو ما اقترحه النَّائب اليميني ميخائيل بن أري، كتلة الاتحاد الوطني، باشتراط تعيين قضاة لمحكمة العدل العُليا "بالخدمة الوطنيَّة المدنيَّة" أو الخدمة العسكريَّة، كما طالب دافيد روتم وتسيبي حوطوبلي بتنحية سعادته من منصبه ومنهم من نادى: "إنَّ من يرفضُ الإنشادَ فليذهبْ إلى غزَّة" ومنهم من يكتب بإعلاناته على واجهات الحوانيت "مطلوب عامل/عاملة بعد الخدمة العسكريَّة"..  
لقد أزالت هذه الأصوات ورقة التِّين عن فرج الدِّيمقراطيَّة، وأظهرت هشاشتها
وركاكتها، وعلينا أن نَتَجَنَّد جميعًا، عربًا ويهودًا، دفاعًا عن هذا الحيِّز الذي يحيطونه دائمًا بحقل ألغام..
قد يهمّكم أيضا..
featured

المطلوب الآن تحديث وتطوير القوى

featured

تقسـيمٌ ومقسَّـم

featured

مؤتمر الحزب الشيوعي اللبناني: رهان الأمل وتحدّي المشروع والآليّات

featured

شفاعمرو كنعانية الأصل عربية الشمائل فلسطينية الهوى

featured

الامراض الارتشاحية - المنتشرة في الرئة – Diffuse Pulmonary Fibrosis

featured

"حتمية الضرورة "

featured

صواريخ: على "طبقة" المصريين الامريكان

featured

ما بين الألوان والشخصيّة