لا يمكن عبور نفس النهر مرتين، قال اليوناني هيروقليطوس فيما مضى. وبدوره أعلن هيغل، بعد مئات السنين، أن التاريخ يعود على نفسه، فأتى كارل ماركس مصححًا، بأن التاريخ يعود حقًا على نفسه، ولكنه يعود مرة على شكل مأساة ومرة على شكل سخرية.
وكأن المتنبي، الذي نذكره في كل عيد، لم يقرأ ما قاله هيروقليطوس فهتف بدرّته التي سطعت عبر القرون، "عيد بأي حال عدت يا عيد". آن الأوان، أن نقول لأنفسنا- بعد هذه التجارب الحلوة منها والمرة- أن لكل عيد "عودته"، ولكل عيد إطلالته. فعلى نفس المائدة تذبل وجوه وتنضر أخرى، ومن حول نفس المائدة تتشكل المائدة القادمة، والله يكفينا شر المخبأ بالغيب.
لقد عذرنا المتنبي، ابن البيداء التي تعرفه، بأنه قد عاش في عصر لم يتِح له التواصل مع ما قاله الأقدمون، ولكن ماذا مع حالنا اليوم وبعد انتشار العلوم، حين تطمح قيادات بأن تعيد نفس الواقعة مرتين وثلاثًا، وتريد أن تخرج، في كل مرة، واقفًة على رجليها، وكأن قوانين الطبيعة قد توقفت أو أوقفت بالمقلوب، على رأسها.
عبرنا مثل هذا النهر، السنة الماضية. فعلى مثل هذا الشاطئ وقفنا نتأمل بصمت حزين محمد بوعزيزي، الشاب الجامعي التونسي بائع الخضار، الذي أحرق نفسه غضبًا وثورة على وطن خذله. وعلى الشاطئ الآخر، في بداية هذا العام، لم نستوعب ما جرى لـ 16 طفلاً سوريًا من درعا تجرؤوا وكتبوا على الحيطان، ما كانوا قد حفروه قبل ذلك في قلوبهم الغضّة، "ارحل يا بشار"، فتم التعامل معهم وكأنهم من عتاة المجرمين وألقي بهم في غياهب السجون وتعرضوا لتعذيب لا يتقنه إلا بعثيّو الأسد.
وكان قد عبر هذا النهر شبان 25 يناير، في معركة لا تزال مستمرة لتحديد وجه مصر. وعلى الشاطئ الآخر سقط قائد آخر أغرق شعبه بالدم فأغرقه الشعب بالدم وكلا الفعلين، وإن لم يتوازنا، مذموم. فما بال الطغاة لا يتعلمون!
هل اعتقد بشار الأسد، في خلسة من الزمن، أن النهر الذي عبره والده، في مذابح حماة في العام 1982، هو نفس النهر في العام 2011. المأساة في مسلك بشار الأسد أنه لم يذوّت مقولة النهر المتغيّر، وخاصة أن عصره ليس عصر أبيه ولا الناس الحاضرة هي تلك التي واجهت أبيه، ولا العالم الذي حوله هو العالم الذي عاش فيه أبيه. وحتى هو، إذا تجاهلنا الرابط البيولوجي، ليس ابن أبيه. النهر الذي عبره حافظ الأسد، سيَغرَق بمثله بشار الأسد.
وبما أن للحديث شجون، فمن يريد أن يرى الربيع دائمًا وفي كل فصول السنة، فقد أخطا العنوان. لا الثورة تبقى ربيعًا دائمًا، ولا الحياة نفسها تبقى كذلك. هذه هي قوانين الطبيعة. بعد الربيع يأتي الصيف وبعد الشتاء يأتي الخريف. فهنالك شيء أقوى وأكثر خلودًا اسمه تعاقب الفصول. ويظهر أن هذا هو سر الحياة: لا خلود فيها سوى للتبدل. وهذا هو سر قوة الطبيعة وهذا هو سر سحرها. كل شيء مؤقت وكل شيء عابر. وقبل عدة سنوات قال ستيفن جوبز مؤسس "أبل" الأسطوري، أن الموت هو مصدر التجدد.
ولكن واعتماداً على مقولة هيروقليطوس، بأنه لا يمكن عبور نفس النهر مرتين، فحتى عندما يعود الشتاء لا يعود نفس الشتاء الماضي، بل يأتي شتاء آخر مختلف. وهكذا إذا اعتمدنا هذا المبدأ الهيروقليطي، على أرض الثورات العربية، فإن نجاح الحركات الإسلامية في مصر وتونس، لا يعني ذلك تبنيًا لطراز الثورة الإيرانية. فالحركات الإسلامية في العالم العربي تدرك أنها أتت على أجنحة الشعارات المنادية بالحرية واحترام الإنسان وكرامته وحريته في التعبير والتعددية السياسية والفكرية، وإذا أرادت هذه الحركات الحياة فعليها أن تتبنى هذه القيم.
وجيّد هنا أن نستذكر ما يجري الآن للثورة الإسلامية في إيران التي وجدت التأييد لها حتى في صفوف العلمانيين، لأنها أودت بحكم الشاه، الطاغية وركيزة أمريكا. فهذه الثورة وقد رفضت الالتزام بقيم الحرية والعدالة والتعددية، محكوم عليها اليوم بالسقوط، ولولا الإرهاب والقمع والسجون الرهيبة، لما استمرت في السلطة.
ما يجري في العالم العربي، من انتصارات للحركات الإسلامية، لا يعني أن الثورة تم "اختطافها". فالثورة ليست مسجلة "طابو" لأحد. الثورة للناس، وثمارها ملك للناس. وما فعله الثوريون في مصر، زملاء وائل غنيم، الشهداء منهم والجرحى ومن يواصل الطريق، أنهم وضعوا الرجل على السكة، سكة الديمقراطية والنهج السلمي في تداول السلطة.
الحركات الإسلامية، المتطرفة منها والبراغماتية، تعدّ العدة منذ اليوم لتسلم زمام الأمور، وحتى قبل أن يطلع نهار سلطتها، فقد التقت مع الأمريكيين، وأعلنت التزامها بمعاهدة السلام مع إسرائيل. وفي حينه قال شارون، بعد تسلمه السلطة: "ما نراه من هنا لا يُرى من هناك".
ولنفترض أن قوانين الطبيعة قد تعطلت في مداخل العالم العربي، ونحن العرب كما يُقال "مباختين"، وتدفقت أنهار الدكتاتورية علينا. لا بأس فلتكن الدكتاتوريات القادمة مختومة بأختام أخرى- لا مختومة بختم علماني وطني ديمقراطي. على كل حال لا تقلقوا: ميدان التحرير حاضر.
