تحت سماء واحدة

single

هناك مشهدان يمكن تخيلهما تحت وابل الثلج والقصف معًا، أناس يتدفأون بالقرب من نار أليفة لا تلامس حتى أصابعهم وأطراف أرديتهم، ويشوون الكستناء وقد يثرثرون أو يقرأون روايات من طراز "البؤساء" لفكتور هوجو، ويتأملون الثلج وهو يتساقط خلف النوافذ ويكسو الأشجار بأثواب زفاف.
إنه مشهد سينمائي وروائي أيضًا، طالما تكرر في القرن الماضي لكن المشهد الآخر هو ملايين البشر رجالًا ونساء وأطفالًا خلعتهم أعاصير التاريخ في نوبة جنون من ترابهم ومن دفء بيوتهم، فهم ما إن يلمحوا الثلج حتى يشعروا بالهلع لأنه عدوهم الثاني بعد العدو الأول الذي شردهم، وها نحن نشاهدهم وهم عالقون بالجغرافيا، يقاومون قشعريرة الصقيع بما تبقى لهم من الذكريات وأحيانًا تراهم يحتشدون كما يفعل طائر البطريق في القطب المتجمد كي يشعر بقليل من الدفء.
قد يقول قائل يفتقر إلى الخيال إن هذه سنّة الحياة، لكنه يخطئ مرتين عندما يختزل التراجيديا البشرية على هذا النحو، لأن من يرتعد أطفالهم تحت وابل الثلج والقصف معًا ويلوذون بهم كما لو أنهم يريدون العودة إلى أرحام أمهاتهم لم يهاجروا لمجرد المغامرة وهاجس الاكتشاف والفضول، وهم على الأغلب مهاجرون بلا أنصار.
إن من يتلذذون بقراءة رواية كالبؤساء وقد أنعموا من كل شيء لم يُجربوا دقيقة واحدة من حياة بطلها جان فالجان لهذا يصبح شقاؤه وعذابه وبطاقته الصفراء التي تحرمه من أي عمل مجرد فاكهة أخرى على المائدة.
وإذا كان المنجز الأخلاقي هو أهم ما أنتجت البشرية عبر حضاراتها المتعاقبة فإن هذا المنجز النبيل هو الآن في خطر شأن كل المنجزات الأخرى وخصوصًا المادي منها.
وأذكر أن كاتبًا نال جائزة نوبل قال في خطابه المتعلق بالمناسبة إنه لا يستحق أي تقدير إذا لم تكن له أُذن قادرة على الإصغاء لأقصى صرخة إنسان في هذا الكوكب، لكن الناس الآن يسمعون بالأذن المجردة ويرون بالعين المجردة أيضًا الدماء وهي تسيل.
أما الصّراخ فقد لا نسمعه لأن الأصوات بُحّتْ واليأس ملأ قلوب من صدّقوا ذات يوم أن للإنسان حقوقًا بالفعل وأن البشرية كابدت آلاف السنين كي تنقذ الإنسان من الحيوان الذي يقيم في أحشائه.
مشهدان لا يُوحّد بينهما الثلج، بينهما مسافة لا تحصى من اللامبالاة والخُذلان.
قد يهمّكم أيضا..
featured

ألقدس الشرقية رأس الدولة الفلسطينية

featured

إلى متى التسليم بهذا الوضع؟!

featured

تسيّونوت ومتسيّونوت؛ صهيونيّة وتفوّق

featured

الإرهاب في سوريا هو حركة ثوريّة تحرريّة أمّا في مصر، وليمة من؟

featured

من المفضل معرفة قليل من التاريخ

featured

خطوة أوروبية بالاتجاه الصحيح..

featured

.. والتاريخ أيضا غير موضوعي!

featured

النكبة ترعب اسرائيل