لقد نص قرار التقسيم، الذي اتخذ في الجمعية العامة للامم المتحدة في 29/11/47، على ان القدس لها مكانة دولية وهي متاحة للاسرائيليين كما للفلسطينيين، متاحة للجميع بدون استثناء، لكن هذا القرار لم يطبق الا ما يخص الشق الاسرائيلي منه. اما ما يتعلق بالقسم الجغرافي المخصص للدولة الفلسطينية، فقد جرى التآمر بين الاستعمار الانجلو امريكي والحركة الصهيونية والرجعية العربية لحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره في دولته المستقلة ولم يطبق هذا القرار بالنسبة للقدس ايضا.
وبعد اعلان قيام دولة اسرائيل بحسب قرار التقسيم في 15 ايار 48 اصبحت القدس الشرقية تابعة للمملكة الهاشمية اضافة الى الضفة الغربية اما قطاع غزة فكان تابعا للادارة المصرية، اما باقي المناطق التي كانت مخصصة للدولة الفلسطينية فقد احتلتها اسرائيل وانزلت النكبة الكبرى بالشعب الفلسطيني قاضية نهائيا على امكانية بناء الدولة العربية الفلسطينية على الارض المخصصة لها بحسب قرار التقسيم.
وفي 5 حزيران عام 67 شنت اسرائيل بدعم استعماري امريكي واسع حرب "الايام الستة" الموجهة بالاساس ضد النظام الوطني المصري بقيادة عبد الناصر، واستغلت اسرائيل هذه الحرب لاحتلال ما تبقى من الارض الفلسطينية، فاصبحت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية تابعة للاحتلال الاسرائيلي اضافة الى الجولان السوري وسيناء المصرية. ورغم صدور قراري مجلس الامن 242 و338 اثر عدوان "الايام الستة"، الا ان اسرائيل لم تطبقهما ولم تنسحب من هذه الاراضي الفلسطينية والعربية حتى يومنا هذا، باستثناء ما اعيد من سيناء الى مصر بعد اتفاقيات الصلح المنفرد بين مصر السادات واسرائيل، والتي عرفت باتفاقيات "كامب ديفيد" ايام الرئيس الامريكي جيمي كارتر. 42 سنة والاحتلال الاسرائيلي يتواصل والاستيطان يزحف بدون توقف، بل تزداد وتيرته باستمرار في الضفة الغربية عامة والقدس الشرقية خاصة. وتتابع حكومات اسرائيل بشكل واسع سياسة مصادرة الاراضي الفلسطينية واقامة الشوارع الالتفافية وبناء جدار الفصل العنصري، وفرض الحواجز العسكرية وهدم البيوت العربية وترحيل اصحابها، وقد اعلن مؤخرا عن اقامة 72 الف وحدة سكنية استيطانية جديدة مما يدل على تكثيف هذه السياسة الهادفة الى الهدم والترحيل خوفا من الخطر الديمغرافي، ومن اجل تقطيع اوصال ما تبقى من ارض فلسطينية لقتل امكانية بناء دولة فلسطينية مستقلة الى جانب دولة اسرائيل في حدود 4 حزيران عام 67.
ان حكام اسرائيل يواصلون دورهم التاريخي في خدمة الاستراتيجية الامبريالية الامريكية وغرب اوروبا، ويحوّلون الدولة بشعبيها الى اداة في خدمة الاهداف الاستعمارية في وجه كل من يقاوم هذه المصالح، لهذا تواصل اسرائيل احتلالها وتحوله الى اداة ضغط على شعوب ودول المنطقة حفاظا على المصالح الاستعمارية – الامريكية والغربية وخدمة للرأسمال العالمي والمحلي.
القدس الشرقية هي مركز للاديان التوحيدية الثلاثة تاريخيا ويجب ان تحترم، ويجب احترام الحقوق التاريخية فيها للجميع، بما فيها الشعب الفلسطيني، لذلك يجب ان تكون عاصمة الدولة الفلسطينية، ولا يمكن ان تقوم دولة فلسطينية بدون القدس، فالقدس بالنسبة للشعب الفلسطيني ليست مدينة سياحية يؤمها بهدف العبادة فقط، بل هي عاصمته السياسية ورمز استقلاله الوطني وهي جزء له مكانة خاصة في وجدانه من دولته العتيدة التي قدم من اجلها اعز ما يملك من ارواح آلاف الشهداء، لتتكلل هذه المسيرة التحررية برفع العلم الفلسطيني فوق المؤسسات الرسمية لدولة فلسطين في قلبها النابض القدس الشرقية.
في هذه المرحلة التاريخية العصيبة على منظمات وفصائل واحزاب الشعب الفلسطيني ان تتوحد حالا، وان تعلن عن اقامة حكومة وحدة وطنية تدير جهازا امنيا واحدا يكون اول اهدافها اعمار غزة وحماية القدس الشرقية. وعلى هذه الحكومة الموحدة ان تعكس وحدة الشعب الفلسطيني وان تلتزم ببرنامج وطني، يمثل المصالح الوطنية الحقيقية للشعب الفلسطيني. وعلى هذه الحكومة ايضا ان تمتنع عن مفاوضة اسرائيل الا بعد شرط اساسي وهو اعادة اعمار غزة اولا ثم حماية القدس من هجمة اسرائيل الاحتلالية الاستيطانية عليها. وعلى السلطة الفلسطينية ان تتجند رسميا وشعبيا لحماية القدس وان تجند ايضا القضية الفلسطينية واحرار العالم اجمع لهذه المهمة، الا وهي حماية القدس العربية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة.
القدس هي رأس الجسد الجغرافي والتاريخي الفلسطيني. القدس هي عاصمة دولة فلسطين العتيدة. كل الجهود لحماية القدس الشرقية وتثبيت اهلها فيها.
(كفر ياسيف)
