الأخضر الإبراهيمي سياسيّ جزائري مخضرم. كان الرجل في العشرين من عمره حين أطلقت جبهة التحرير الجزائرية ثورتها المسلحة لتحرير بلدها من الاحتلال الفرنسي الاستيطاني الذي كبّل البلد على مدى قرن وثلث القرن. وقد التحق الأخضر الشابّ بصفوف الثورة التي هزمت قوّات الاحتلال ومستوطنيه وألغت قرار فرنسا ضمّ الجزائر إليها ووفرت للبلد الاستقلال.
بروز الأخضر من بين عشرات ألوف الملتحقين مثله بالثورة بدأ حين استعرت الخلافات بين القادة الذين جعلهم انتصار الثورة حكاماً. وكما حدث لمعظم الجبهات المماثلة، انقسمت جبهة التحرير الجزائرية إلى فرقاء متنابذين. وقد تبلور بعد الاستقلال مباشرة فريقان كبيران، واحد التفّ حول رئيس جمهورية الجزائر الأول احمد بن بيلا، وآخر التفّ حول وزير الدفاع الأول هواري بومدين. فريق بن بيلا عَدَّ ذاته الفريق اليساري في الجبهة. وفريق بومدين اعتُبر الفريق اليميني.
بين سياسيّي الفريق اليميني الذين نشطوا لتمكين هذا الفريق من الانفراد بالسلطة، برز اثنان اقترن اسم كل واحد منهما باسم الآخر: عبد العزيز بوتفليقة والأخضر الإبراهيمي. وقد بدا لليساريين من مناوئي هذا الفريق أن الإبراهيمي هو الأذكى والأكفأ بين الاثنين وأنه هو الأمكر والأقدر على نسج الخطط وحبك المؤامرات. ولم يكن غريبًا أن يساريي الجبهة حوّروا الاسم الأول لهذا الرجل فجعلوه الأصفر الإبراهيمي بدل الأخضر.
نجاح فريق بومدين في الانفراد بالسلطة في العام 1965 فتح الفرص التي جعلت وزير الخارجية بوتفليقة الرجل المتمتع بالنفوذ والجاه، وهي الفرص التي اطردت مع تفاقم الخلافات داخل الفريق الذي نحّى بن بيلا فجاءت ببوتفليقة إلى موقع رئيس الجمهورية الذي يشغله حتى الآن.
الأخضر الإبراهيمي، وهو من كان ثاني الاثنين وأقدرهما، لم يتقدم في مراتب السلطة في النحو الذي تيسر لقرينه بوتفليقة. والذين يعرفون طبائع الرجلين كليهما لم يجدوا في هذا ما هو غير عاديّ. فالأكثر انهماكًا، والأوفر مقدرة، في حبك المؤامرات والمقالب ضدّ خصوم فريقه يصير في العادة موضع حذر الطموحين من ناس هذا الفريق أنفسهم؛ الأصفر ضدّ الخصوم قد يظل أصفر ضدّ الحلفاء أيضاً، خصوصاً بعد أن تفجرت سلاسل الخلافات الكامنة منذ القدم بين هؤلاء الحلفاء وقسمت جبهة التحرير إلى شظايا يتآمر بعضها على بعض.
بتأثير الحذر الممزوج بالحاجة إليه، بقي للأخضر الإبراهيمي ما يفعله مما قد يكلِّفه به الذين تعاقبوا على سدَّة الحكم. لكن ما كُلِّف به الرجل لم يرتق به في أي وقت إلى مرتبة شاغل مقعد في صفّ صنّاع القرار في الحكم.
كيف تصرف السياسيّ الكفؤ إزاء هذا الغبن، هل استسلم له فوراً أو بعد مقاومة، ومتى أشهر استسلامه؟ وهل حاول أن يجد سنداً له بين القوى الداخلية المتصارعة مع فريقه، أو هل حاول أن يجد السند لدى قوى خارجية معنية بالشأن الجزائري؟ وإلى أي مدى أفلح في ما حاوله، وإلى أي مدى فشل؟
الإجابة على هذه الأسئلة تحيل إلى الحاجة لاستقصاء طويل لم أعرف أن أحداً عنى بالقيام به، ولا أظن أن أحداً سيقوم به ما دام أن غياب الرجل عن ساحات الصراع الداخلي في بلده قد طال، وأن المهمات المتاحة له خارج البلد ليست من الأهمية إلى الحدّ الذي يثير الفضول.
يقال ما قيل هنا عن وضع الأخضر الإبراهيمي بتأثير التساؤلات التي أثارها صحافيون عرب، ادعى معظمهم أنه من أصدقائه. وقد دارت التساؤلات حول السبب الذي جعل هذا الرجل يرضى بأن يتابع مهمة فشل الغيني كوفي عنان في إنجاحها، عنان الذي تعجل الاعتراف بالفشل. والواقع أن التساؤل، إذا غضضنا الطرف عما يضفيه على قابل المهمة وعلى المهمة ذاتها من أهمية، له هو ذاته ما يُسوغه. فكيف يقبل رجل له خبرة الإبراهيمي في الحياة العربية والدولية أن يُعرّض نفسه لفشل محقق في مهمة يستحيل إنفاذها؟
مما لا شك فيه أن الأخضر الإبراهيمي نفسه هو خير من قد يجيب على هذا السؤال لو رغب في الإجابة. لكن، من المشكوك فيه أن يفعل الرجل هذا، أو أن يُقدّم إجابة شافية إن فعل. فنحن هنا إزاء سياسيّ ذي قدرات حالت الظروف بينه وبين بلوغ ما رأى أنه يستحقه. ولأن استسلام الرجل المسكون بركام من خيبات الآمال قد أزمن فجعله يقبل بالمتيسّر ويتشبّث به، فإن حرصه على البقاء تحت الأضواء، أيّ أضواء، قد أزمن هو الآخر بحيث يصعب عليه التحرر من الغواية. ولعل هذا بالذات هو ما رشحه للمهمة التي لا يراد لها أن تنجح.
هدنة العيد السورية، هذه التي أفاد هو أنه رتبّها، قدّمت أنموذجاً يدل على عمق حاجة الإبراهيمي إلى الاستمرار تحت الأضواء حتى مع توالي الفشل. فالسياسي العتيق يملك من الخبرة والمعلومات ما يكفي لجعله على يقين من أن نجاح الهدنة متعذر، كما يملك ما يكفي أيضاً ليعرف أنه نُدِب لمهمة تشكل غطاء لأفعال لن تتوقف وأن طبيعة المهمة تفرض أن تكون فاشلة. ولو لم يكن هو شخصياً حريصاً كلّ هذا الحرص على البقاء تحت الأضواء بأي ثمن لما اضطلع، أصلا، بهذه المهمة، ولما تورط في اقتراح الهدنة، ولما أعلن حتى بعد الفشل أنه سوف يستمر.
مسكينة سورية ومساكين أهلها الذين يفترس الصراع على بلدهم استقرارهم وجنى أعمارهم وحيواتهم ذاتها. ومساكين نحن الذين يتوجب أن نشهد ما يجري. وقد ينبغي أن ندرج في المساكين أي طائر بُغاث يتصور أنه نسر، فيما النسور الجارحة تواصل افتراس سورية وناسها. المأساة، كل مأساة، موجعة. وأوجع ما يوجع في أيّ مأساة تُجسّده المهازل التي تقترن بها. وهل يمكن إدراج ما نُدب إليه كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي وأمثالهما إلا في عداد المهازل الموجعة! ألا يشبه تصوُّرُ الإبراهيمي أنه قادر على فعل شيء يوقف ما يفعله القادرون على الفعل تصوّرَ الشيخ القطري وزوجته موزة ورئيس حكومته أنهم هم الذين أطلقوا حركة الربيع العربي وهم الذين يوجهونها الآن كما يشاءون؟
