في الصحافة العبرية يكنّونه "الأب الروحي".. الإمام أو الشيخ أو شيخ الطريقة ذي العينين السوداوين أو الزرقاوين أو العسليتين الثاقبيتين الساحرتين دائماً والكثير من "الكاريزما". هذا الوصف هو جزءٌ من صناعة البطل.. وهذا الإمام لا يذكّرني برواية نوال السعداوي "سقوط الإمام"! لا سيّما وهو يضع الأمريكيين والروس والأوروبيين والشيعة والشيوعيين في سلّةٍ واحدة.. وكذلك المسلمين المعتدلين، لأنه هو، وهو وحده، الإمام الذي يمثل الإسلام الحقيقي.
وما حدث في النّاصرة هو ما أدّى إلى كتابة مقالات عديدة في الصحافة العربية والعبرية خاصة تحت عنوان تحريضي فاقع "بن لادن في الناصرة" أو "الناصرة هي بن لادن..." أما الإمام فيقول: كل ما حدث من خيال "الشاباك"... ونحن نرى نظرات قطبية حادّة لا تعترف الواحدة منها بالأخرى سيّما وإسرائيل هي دولة اليهود كما يعرّفها اليوم حكامها.
هل ما يحدث في الناصرة هو من خيال أجهزة المخابرات الإسرائيلية؟ هل علينا أن نقول كل هذا من أمريكا إمبراطورية الشر؟ هل السلاح المرخص وغير المرخص بدعة؟ هل انتشار المخدرات في هذه المدينة مجرد وهم؟ هل فوضى السير ومكبرات الصوت في السيارات الخاصة ومكبرات الصوت في الأعراس حتى ساعات الصباح والتي تختلط مع مكبرات أصوات الأذان في الفجر هي ظاهرة صحيّة أم أنها هي أيضًا مؤامرة صهيونية؟ هل إطلاق الرصاص الحي في الأعراس وفي أعقاب العاب المونديال ظاهرة عادية نمرُّ عليها مر الكرام ولا نأبه بها حتى ولو عادت هذه الرصاصة واستقرت في رأس الطفلة هدى التي جاءت زائرة من شفاعمرو إلى الناصرة وما زالت ترقد على سرير الشفاء في مستشفى "رمبام" بحيفا؟
اذكر أنني دعيت إلى احد الأعراس العربية.. فسألت "هل هناك طخ"؟ قالوا نعم. فاعتذرت ولم أحضر.
هل النصراويون من أبناء الطوائف المسيحية في خطر؟ هل فعلاً تميل حكومة إسرائيل إلى هذه الطائفة متحيزة ضد المسلمين؟ هل نحن شعب أم طوائف؟ هل فعلاً هبطت نسبة المسيحيين في الناصرة خلال العشر سنوات الأخيرة- بعد أحداث شهاب الدين - المؤسفة المخزية- من أربعين إلى اثنين وثلاثين بالمئة؟ هل من مؤسسة تكرّمت وفحصت ذلك؟ وهل هنالك من يحدثنا عن صناعة "البطل" الإمام هذه المرّة، ومريديه، وغيرهم، وغيرهم، في المرة القادمة؟!
نعم هناك خوف في الشارع.. هنالك خوف عند دهاقنة البلد يعميهم ويصيبهم بالشلل أو بتغطية السماوات بالعماوات. نعم أنا خائف.. أنا قلق.. أنا ما شئتم... لكنني لست جبانًا ولم أتعوّد على الهروب لا من وجه الحق ولا من وجه الباطل.
لا يمكن أن ندعي أن "خلية بن لادن" كما يسمونها مفبركة كليًا. بطبيعة الحال هنالك عدة أسباب "لنبوغ" مثل هؤلاء الشبان الضحايا. ضحايا سياسة الحكومة الإسرائيلية.. ضحايا الإهمال والفراغ والضياع، ضحايا الغباء وعدم الوعي والتعصب الديني و... الانجرار وراء الإمام، أي إمام يمسك بمكروفون خطبة الجمعة فيشرّق بعيدًا عن روح الإسلام السمحة ويغرّب خالطًا عمدًا بين الشيعة والشيوعية. لا يمكننا أن نبقى ندفن رؤوسنا في الرمل كالنعام ونلقي كل تبعات مشاكلنا الاجتماعية على السلطة... بدون أن نفحص أنفسنا أولاً وقبل كل شيء.. بدون أن ندرك مدى مسؤولية الكلمة. إننا في الواقع نسير على أرض رخوة مليئة بالمطبات والأنانية والعصبية القبلية والتعصب الديني (الذي يختلف عن التديّن) وعدم الاعتراف بالآخر وبالمختلف.
إنني أقدّس الحرية لكن حريتي تنتهي عندما تصطدم بحرية الآخرين بما في ذلك حرية الإمام. فما العمل ونحن هنا نعيش أقلية داخل أقلية، أقلية ضحيّة تبحث دومًا عن ضحيّة من داخلها... والمعضلة هي أن التطرف لا يولّد إلا التطرف والتعصب لا يولّد إلا مزيدًا من التعصب...
نحن بحاجة إلى قيادات واعية من جميع الأصناف والمستويات وإنني بحاجة إلى أن يقرأ كلماتي هذه من يخالفني الرأي! فكم نحن بحاجة إلى الرأي والرأي الآخر وإلى النقاش والحوار لا إلى الزعيق والتهديد والوعيد والخوار.
