في اوائل الخمسينيات لم تكن معالم محددة لمدينة الناصرة، فقد كانت تحيطها من جميع الجهات الجبال والمنازل في وسطها حيث كان يحدها من الشمال مفرق الخانوق وبعض المنازل في جبل سيخ ومن الجنوب مفرق الناصرة حيفا العفولة ومفرق العمارة وبير الامير وشرقا حي النمساوي والحي الشرقي، وغربا دير ابو اليتامى وحي الكروم ولم يكن في ذلك الوقت لا ضجة سيارات ولا مكبرات صوت ولا مفرقعات.
اما الشبيبة الشيوعية فقد كانوا في ايام الصيف يتوزعون ليلا فرقا فرقا في جميع الاحياء ويقفون على المرتفعات ويرددون فليسقط الحكم العسكري وهكذا كان صدى هتافاتهم يتجاوب في كل احياء المدينة. وفي احدى امسيات الصيف المقمرة، كنت في زيارة لابن عمي الذي هو ايضا عديلي المرحوم ابراهيم غطاس، الذي يسكن في حي جبل آل فرح وكنا نجلس انا وهو وصديقه المرحوم ابو ابراهيم نعمان عواد في حديقة المنزل نتسامر ونترنم على صوت ابو ابراهيم الشجي واذا بعدة شباب يقفون على صخرة تحت سنسلة الحديقة ، لا ادري ان كانت حتى الآن باقية ام ازيلت ويهتفون فليسقط الحكم العسكري فدب فينا الحماس وصرنا نردد معهم الهتافات، على الرغم من انه لم يكن احدنا عضوا في الحزب او الشبيبة وهكذا كان الصدى يتجاوب مع الاحياء الاخرى، ثم انتقلوا الى مرتفعات اعلى وهذه الحادثة لا يمكن ان انساها طوال حياتي. انا اكتب هذه الملاحظات حتى يعرف الجيل الناشئ واولئك الذين يتطاولون على الشيوعيين واولئك الذين كانوا يقولون نحن مع الحيط الواقف أي الحكم العسكري وحزب مباي، اين هم من الشيوعيين الآن. كما ان هناك ذكريات سوف اعود على ذكرها بمناسبة تسعين عاما على تأسيس الحزب الشيوعي وخمسة وثمانين على تأسيس الشبيبة الشيوعية. ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بالنضال من اجل الحقوق.
(عكا)
