ألهجرة بحد ذاتها ظاهرة من الظواهر الاجتماعية بين بني البشر، ومن الممكن ان تكون هجرة افراد او هجرة جماعات من مكان الى آخر والاستقرار فيه الى الابد. فعندما يهاجر الانسان فهو عمليا يبيع كل ما يملكه من ممتلكات في وطنه حتى يستقر في وطن آخر بحثا عن معيشة افضل او عمل افضل، وهنا الفرق الجوهري بين المهاجر واللاجئ، فالمهاجر هو الذي يترك وطنه بمحض ارادته دون إكراه، اما اللاجئ فهو الذي يترك وطنه ويلجأ لوطن آخر مكرها بسبب حرب او فتنة او نزاع داخلي، وهذا اللجوء يكون لفترة معينة حتى يستقر الحال، وكل ما يملكه في وطنه يبقى له وباسمه حتى يعود. الى هنا ذكرت بشكل وجيز جدا الفرق بين المهاجر واللاجئ، لانه في معظم الحالات يحصل التباس وفهم مغلوط في تفسير من هو المهاجر ومن هو اللاجئ، وكل فئة تفسر المهاجر واللاجئ حسب مصلحتها الخاصة وكيف هو مريح لها.
إن المهاجرين في أي مكان وزمان يعملون بشتى الوسائل والحجج كي يتأقلموا مع الوطن الجديد الذي استقروا فيه، فمثلا من الممكن ان يكون المناخ يختلف عن المناخ في وطنهم الاصلي لذلك يعملون جاهدين على التأقلم مع هذا المناخ الجديد، وايضا من الممكن ان العادات والتقاليد في هذا المجتمع الجديد تختلف عن العادات والتقاليد في مجتمعهم السابق، لذلك يحاولون بشتى الوسائل التأقلم والتكيف مع هذه العادات والتقاليد الجديدة، كما يحاولون بشتى الوسائل والطرق تثبيت وجودهم في هذا الوطن الجديد عن طريق الحصول على عمل او وظيفة كي يندمجوا وينخرطوا بمؤسسات الدولة، ورويدا رويدا يحصّلون بعضا من الحقوق الاساسية كأي مواطن اصلي آخر، مثل حق التصويت والانتخاب الترشيح والتمثيل في المجالس المحلية والبرلمان، فبعد ان يتغلب المهاجر على كل هذه العقبات ويحصل على كل هذه الحقوق يصبح عنده شعور بالانتماء لهذا الوطن وهذه الدولة، فعلى مر التاريخ، وهذا من البديهي، ان المهاجرين هم الذين يمرون بمراحل عديدة حتى يتأقلموا مع الوطن الجديد الذي هاجروا اليه، ويكافحون ويناضلون حتى يحصّلوا الحقوق الاساسية كأي مواطن اصلي آخر، لكن الحركة الصهونية بذكائها الخبيث استطاعت ان تقلب الامور رأسا على عقب فجعلت المواطن الاصلي مهاجرا، والمهاجر مواطنا اصليا، أي انها جعلت المواطن الاصلي على هامش الدولة في العمل والوظائف، فلا يحق له ان يعمل في كل الاعمال او ان يتسلم أي وظيفة في المؤسسات المختلفة وبالذات السياسية والعسكرية، وبسبب ذلك نحن المواطنين الفلسطينيين الاصليين اصبح عندنا شعور بعدم الانتماء لهذه الدولة، بينما المهاجرون الذين يأتون الى هنا من شتى ارجاء العالم ويدّعون انهم يهود تفتح لهم الحركة الصهونية كل الامكانيات والتسهيلات للانخراط والاندماج في كل امور الدولة، من عمل ووظائف في كل مؤسسات الدولة وتمثيل الدولة في مختلف فروع الحياة مع العالم الخارجي، فهذه الحقوق التي يحصل عليها المهاجر تعطى له دون ان يبذل أي عناء أو جهد أي دون ان يكافح او يناضل وبذلك يصبح في قلب الدولة وليس على هامش الدولة كما هي حالنا نحن المواطنين الاصليين، وهذا الانخراط والاندماج يولّد عنده شعور بالانتماء لهذه الدولة وحبه لهذه الدولة، وهنا بالضبط الشيء المضحك والمبكي، فلو نظرنا الى مختلف المهاجرين في شتى ارجاء العالم نلاحظ انهم هم الذين كافحوا وناضلوا لتثبيت وجودهم والحفاظ على بقائهم وتحصيل الحقوق الاساسية في الوطن الجديد، بينما في دولة اسرائيل الامر معكوس تماما فنحن المواطنين الفلسطينيين الاصليين ابناء هذا الوطن نحن الذين ناضلنا ولا زلنا نناضل للحفاظ على بقائنا في وطننا ولتحصيل حقوقنا الاساسية، وهذا الوضع لا مثيل له في العالم وسببه ان الهجرة الى اسرائيل هي هجرة سياسية اكثر منها اجتماعية وهدفها اولا تغيير الوضع الديمغرافي في هذا الوطن وثانيا تيئيسنا وترحيلنا عن وطننا، فما دام المهاجرون يتدفقون الى دولة اسرائيل بتشجيع من الحركة الصهيونية وبإدعاء انهم يهود سنبقى نحن المواطنين الاصليين ندافع ونقاتل للحفاظ على وجودنا وبقائنا في وطننا، وستبقى المساواة مفقودة بين مواطني الدولة طالما بقي تفضيل فئة على فئة أخرى، وسيبقى السلام مفقودا بين الشعوب طالما بقيت الهجرة سياسية اكثر منها اجتماعية، لان فيها حفاظًا
على الاحتلال وموبقاته.
(كفر ياسيف)
