الارهاب واحد والمعركة واحدة والعواصف مستمرة..!

single
اصبح الآن في حكم المؤكد ان امطار الخير والبركة، التي جادت بها السماء في فصل الشتاء الحالي، تعيدنا الى ما كان قبل عشرات السنين، فالكميات التي هطلت حتى الآن تفوق المعدل السنوي العام ولا زال الغيث يتساقط مدرارا، وهي من آلائه ونعمائه.
وأهم ما لمسناه في شتاء هذا العام تلك العواصف المتتالية التي ضربت المنطقة، فكانت الثلوج ببياضها الطهور تكسو اكثر من بلد عربي في الحوض الشرقي للمتوسط. وكلها، رغم قساوتها وبرودتها احيانا، عواصف خير وبركة مرحّب بها تماما. وبالتوازي مع عواصف الطبيعة فان هناك عواصف السياسة، وحروب الارهاب المنظم حيث تضرب في كل مكان بكل بشاعتها وخسّتها ودناءة مرتكبيها. وكانت آخر هذه الموجة الارهابية ما حدث في ليبيا من ذبح للعمال المصريين المختطفين لدى جماعات داعش واخواتها وهم 21 قبطيا من الغلابا الباحثين عن لقمة العيش.
كانت هذه الجريمة النكراء بمثابة عاصفة قوية استهدفت ضرب مصر وسلامة المصريين. وهي استمرار لنهج واسلوب نفس الارهاب، ونفس الارهابيين، في كل من سوريا والعراق في المشرق العربي، مما استوجب ردا عسكريا مصريا اوليا لا بد ان تتلوه خطوات مصرية لاحقة في الحرب المقدسة على الارهابيين والتكفيريين. ومصر تدرك، اليوم اكثر من اي وقت مضى، ان المعركة ضد الارهاب في مختلف الجهات واحدة، كما يدرك الكثيرون، اليوم اكثر من اي وقت مضى، سلامة الموقف السوري منذ اربع سنوات، وبعد النظر لدى القيادة السورية التي نبّهت الجميع ومنذ بداية البدايات انها تواجه إرهابا تدعمه دول إقليمية ودولية، وانه لا يمت الى الثورة بصلة. وليس هو بحراك شعبي لتحقيق مطالب او الحصول على مكتسبات، لان من ركبوا موجة الترويج لهذا الامر كانوا ضمن منظومة دولية خططت لاغراق المنطقة في بحر الفوضى وتفجير الاوضاع من الداخل. فالجيش العربي السوري حارب معركة الامة، وعلى مدار السنوات الاربع الماضية، قبل ان يستفيق النائمون ويستيقظ الغافلون. وهنا تكمن عظمة الموقف السوري، وصواب الرأي، واهمية المعركة التي خاضتها باقتدار مع حلفائها، حتى لا تسقط المنطقة وتكون نهبا لأطماع الطامعين.
وليس سرا ان أكثر المستفيدين مما جرى في وطننا العربي هو الاحتلال الاسرائيلي، الحليف الطبيعي لهذه الجماعات التكفيرية. وليس صدفة انهم اختاروا سوريا، واسطة عقد  المقاومة. واستهدفوا مصر حين شرعوا بإقامة امارة ظلامية في سيناء، تكون منطقة عازلة بين مصر وجيشها واسرائيل. وحين بدأ الارهاب يتهاوى في سيناء، بعد ثورة 30 يونيو، عملوا على فتح جبهة جديدة ضد مصر من الغرب، وتحديدا من ليبيا، التي قالوا إنهم حرروها من نظام العقيد معمر القذافي، حيث اقاموا الامارات الظلامية في اكثر من بقعة على الارض الليبية، كان اشرسها "امارة درنة" في شمال شرق ليبيا. وهي كما يقال عاصمة داعش في ليبيا. وهناك جرى اختطاف العمال المصريين، وذبحهم بعد ذلك. وتأمل هذه الجماعات الارهابية، ومن يدعمها من اتراك وقطريين وكذلك مخابرات الدول، ان يستنزفوا بذلك الجيش المصري الذي ظل سليما متماسكا وقويا كأمل لمصر وامتها العربية. ولكن هؤلاء واسيادهم يدركون ان مصر بعد كل ما حدث لن تتعامل معهم بطريقة حرب الاستنزاف، كما خططوا، وانما ستتعامل مع الواقع الجديد باعلان الحرب الشاملة عليهم، سواء في درنة او مصراتة، او اي مكان آخر. وهي تملك من القدرات القتالية والبشرية لتقوم بهذه المهمة. ومعركة مصر ليست سهلة مثلما لم تكن معركة سوريا او العراق سهلة، لكن مصر تملك كثيرا من الاوراق. فهي على علاقة وثيقة مع الكثير من القبائل الليبية، ويمكن استثمارها في هذه المعركة. كما ان مصر لها علاقات قوية مع الجيش الوطني الليبي، وهو من بقايا جيش الزعيم معمر القذافي، ويتم الآن استدعاؤهم للخدمة العسكرية بما يملكونه من خبرة عسكرية وامنية وفي مجال المخابرات. وليس صدفة ان يتم تعيين اللواء المتقاعد خليفة حفتر قائدا عاما لهذا الجيش ووزيرا للدفاع. واللواء خليفة حفتر ضابط محترف، ويمتاز بخبرات كبيرة. وقد شارك عام 1973 في عبور قناة السويس مع الجيش المصري. ولن يكون عصيًّا على مصر ان تتعامل بفاعلية مع هذا الخطر الكامن على امنها، والقادم من ليبيا. وهي تنسق على المستويات مع الجزائر، التي لها خبرة طويلة في مكافحة هذه الجماعات. وربما ستتعاون تونس مع هذا الجهد، لان الارهاب يهدد ارضها ايضا. وفي ظني ان مصر لن تتورط في ليبيا، كما اراد اصحاب المشروع التكفيري، وانما ستعمل بكل حسم وعزم لاجتثاث هذه الجرثومة قبل ان يستفحل امرها.
ومن العلامات المشجعة ان المعركة ضد الارهاب في سوريا بدأت تأخذ حالات الحسم، بعد المعركة الكبرى التي فتحها الجيش السوري في جبهات ثلاث: في ريف دمشق الجنوبي، وريف درعا، وريف القنيطرة. وسجل فيها انتصارات متتالية ومستمرة، حتى في ظل العاصفة الثلجية الاخيرة، بعد ان قطّع اوصال هؤلاء الارهابيين، وحاصرهم في بؤرهم واوكارهم، بعد قطع التواصل بينهم من جبهة الى اخرى. ويقال إن الجيش السوري استخدم في معركته هذه اسلحة وذخائر جديدة قادرة على اختراق تحصينات هذه الجماعات الواقعة تحت الارض، واصبح في شبه المؤكد ان المعركة لن تنتهي هناك الا بعد ان تتحرر القنيطرة البلد، وباقي ريف القنيطرة من رجس هؤلاء، حتى يعود الجندي العربي السوري ليتمركز على خط وقف اطلاق النار. واسرائيل استشعرت الامر في وقت مبكر، وهي أمام عجزها عن تقديم العون العسكري المباشر بالتدخل، بعد تغيير قواعد الاشتباك، راح مندوبها في الامم المتحدة يطالب بعودة قوات الطوارئ الدولية "الاندوف" ليأخذوا اماكنهم في منطقة فض الاشتباك. وهي التي اعطت الضوء الاخضر لجبهة النصرة، وما يسمى بالجيش الحر، لاختطافهم وطردهم في السابق. وهو موقف صعب أمام القيادة الاسرائيلية، مما حدا ببنيامين نتنياهو ان يقول لرئيس الاركان الجديد، الذي تم تعيينه قبل ايام، "انه تنتظر اسرائيل اربع سنوات صعبة".
واخيرًا قد نشهد في الايام القادمة، وربما الاسابيع القادمة، عاصفة جديدة او اكثر تحمل الامطار والثلوج خيرا وبركة، لكن العواصف الاخرى اشد واعتى وهي تلقي بظلها الثقيل في اكثر من مكان...!
قد يهمّكم أيضا..
featured

ثلاثة أمور لم يتوقّعوها

featured

فريد زريق، الإيثاري

featured

الشعب هو الفارس وهو الحارس

featured

تحوّلات التصوف في الإسلام

featured

عندما وقع «ليبراليّونا» في غرام فيديل كاسترو!

featured

فلّة.. شمعة منوّرة

featured

حماية للاجئين الفلسطينيين ومصيرهم