سنوات الظلام والنور

single

في الخمسينيات والستينيات انتشر بين العرب شعار انتخابي: "صوّت "قاف" لا تخاف.. صوّت "ميم" يا لئيم". كان حرف "القاف" رمز الحزب الشيوعي، بينما حرف الميم، كان رمز أحد احزاب السلطة. وكان حزب المباي، وهو حزب بن غوريون، بالإضافة لسياسة التمييز القومي يتعامل مع العرب بصفتهم مخزن أصوات. وفي حينه كان هذا الحزب، يطلب من الحمولة المعينة أن تصوت بورقة انتخابية مكتوبة بالعربي والعبري، أما الحمولة الثانية فيطالبها بالتصويت بورقة مكتوبة بالعبري فقط. وذلك لفحص مدى اخلاص هذه العائلات لبن غوريون.
كانت سيارات هذا الحزب تقلّ العجائز العربيات إلى صناديق الانتخاب، وقد تم تزويدهنّ بورقة حزب السلطة، ولكنّ خلف الستارة، كانت العجوزالمجعدة الوجه، تُخرج من بين ثنايا ثوبها، في مكان بجانب القلب، ورقة أخرى عزيزة زوّدها بها حفيدها  المتمرد. كانت تلك سنوات الظلام والنور.
في يافة الناصرة التي ضمت إلى صدرها لاجئي معلول- البلدة التي هدمت في العام 1948، جُنّ جنون "أذناب السلطة"، كما كان يُطلق عليهم، عندما كان الشيوعيون يحصلون على أكثر من 50% من الأصوات. ومنذ ذلك الحين أًطلق على يافة الناصرة لقب: "يافة الحمراء". أنا من هناك.
وفي الانتخابات التي جرت بعد الانتفاضة الأولى، في نهاية العام 1988، أنشأ الكاتب إميل حبيبي شعارا انتخابيًا أصيلا، بيّن فيه العلاقة بين تحرير الفلسطينيين من كابوس الاحتلال وبين مشاركة إخوتهم في إسرائيل في الانتخابات: "انتفاضة يا بنت عمِّي، حجر منك و"واو" مني، تتخلصي من همّك اللي هو همي".هكذا فهمنا دورنا التاريخي: أن نلقي بوزننا السياسي في كفة قوى السلام والدمقراطية في اسرائيل، من أجل تحرير شعبنا من الاحتلال ومن أجل بقائنا في وطننا أمام اعاصير العنصرية التي تعصف بها.
وهكذا في الوقت الذي شكّك العالم العربي في صدق انتمائنا القومي، لأننا قبلنا البقاء على ارض وطننا تحت حكم "العدو الصهيوني"، فإن قيادة شعبنا الفلسطيني، على كافة فصائلها، ثمّنت عاليًا أولئك الذين تشبثوا بأرضهم وبقوا في وطنهم، "كالأيتام على مائدة اللئام".
قال طارق بن زياد، القائد الاسلامي، لجنوده إبّان فتح الاندلس: "أين المفر! البحر من ورائكم والعدو من أمامكم". هذا هو حالنا اليوم: يشمّر العنصريون عن سواعدهم لإنزال نكبة اخرى بنا، والعالم العربي، في المقابل، لا يقترح علينا سوى اللجوء والحروب. ولذلك ليس لنا سوى الصمود. اما  الـ 22 دولة العربية، التي يمنوننا بها، فنهديها، حلالا زلالا، للعنصري ليبرمان.
لا خيار للعرب سوى خيار الاعتماد على انفسهم وعلى حلفائهم الديمقراطيين اليهود. وفي الوقت نفسه فإن العرب يدركون جيدًا أن تحقيق الحقوق هي قضية نضال طويل الأمد، يتطلب النفَس الطويل والإصرار وكميات ضخمة من التفاؤل: فكل بيت تم بناؤه، كل مدرسة أقيمت، كل طالب ثانوي تسلل للتعليم الجامعي- كلها قصص نضال بطولي.  
الدعوة لمقاطعة الانتخابات طابعها الأساسي هو اليأس. ولا يملك العرب في هذه البلاد ترف اليأس. ففي زمن اليأس والخيبة الكبرى في العام 48، رفض آباؤنا وأجدادنا وصفة اليأس هذه. فهل نيأس الآن؟ وخاصة بعد مشوارنا الطويل والمظفّر في تجذير وجودنا على ارض الآباء والاجداد، وبعد أن نشأت لدينا اجيال مرفوعة الرأس ومعتزة بانتمائها القومي ورافضة لكل تمييز مدني ضدها.
اليأس وصفة مرفوضة، وبالذات الآن، حينما تصبو أعين العرب واليهود الطيبين، نحو القائمة المشتركة التي اصبحت الأمل من أجل تغيير جوهري في حياة هذه الدولة والمنطقة. ولكن السؤال الأهم هو ماذا يقترحون علينا، غير النضال الجماهيري، والذي يقع في مركزه الانتخابات التي تساهم في بلورة طريق أخرى للدولة؟ كل بديل آخر  يقع في دائرة اليأس والتطرف.
على كل حال- لا حاجة للاستعجال في مقاطعة الانتخابات. انتظروا، بعد قليل سيقوم اليمين الفاشي هنا، بمنع العرب من التصويت. فلماذا نقدم له، منذ الآن، حلاوة المقاطعة على طبق من فضة؟



(نشر أيضًا في هآرتس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

إفِّكت ليبرمان

featured

ما علاقة الله بقوانين الأحوال الشخصية؟

featured

الحاخام أيال ليس عنصريًّا

featured

ليخرس صوت تقسيم العراق

featured

لماذا أضرب شعبنا عن الإضراب؟

featured

هل تتجه "حماس" من الاسلام المقاوِم الى الاسلام المساوِم؟!

featured

يوم شبت عن الطوق