إختار يحيى يخلف أن يركب ريح الرّواية "صندلاويِّا" أعني "جنّابيّا" واضعا رجلا فوق الأخرى، فوق الرّيح، في ذروة عمله الإبداعيّ الجديد "راكب الرّيح" : فبعد أعماله الرّوائيّة الممتعة، شكلا ومضمونا، عن البحيرة وسمخ وطبريا يحملنا على أجنحة أسلوبه الشّائق ولغته الشّعريّة وعشقه للوطن وللحريّة إلى عروس فلسطين، المدينة المعطّرة بعبير البرتقال، مدينة الشقيقات الحزينات، مدينة الأساطير والبحر، مدينة يوسف هيكل وشفيق الحوت وإبراهيم أبو اللغد.... مدينة يافا في عام 1795م وما بعده في زمن الوالي والسّلطان والانكشاريّة وحملة نابليون الاستعماريّة ومجزرته البشعة التي شوّهت صورة الثّورة الفرنسيّة وكشفت عن حماقة الدّكتاتور وحقارته ولؤم الذين موّلوا الغازي.
يوسف الشّابّ الجميل، فتى المدينة وفارسها وفنّانها، في جسده نار وطاقة وقرين، قرين يشيله ويحطّه من عشق السّيدة العيطموس، المرأة كاملة الأنوثة التي لها مذاق الزّبيب المخمّر، إلى المرأة ذات السّنّ الذّهبيّة المسكونة بالشّياطين، إلى المرأة الهنديّة ذات النّقطة الحمراء على الجبين، ومن أساطير يافا وبحرها وسورها وأميرتها الإغريقيّة أندروميدا إلى عكّا التي صفعت نابليون على قفاه، إلى الشّام جنّة الله على الأرض، إلى جبال تركيا الشّاهقة ويلتقي في رحلته بالتّجّار وبالقراصنة وبالشّرفاء وبالأشرار وبالعلماء وبالجهلة.. ولا يضعف ولا يهون أمام سياط الجلاد ووحشيّة الانكشاريّة ومؤامرات القصر ودناءة العملاء، ويبقى حاملا ريشته وإزميله وألوانه وأصباغه وناره التي لا تخبو وحبّه السّرمديّ ليافا وأهلها وبيّاراتها وبحرها ونهرها.
من هو هذا الفتى الفلسطينيّ اليافيّ الذي خلقه المؤلّف من ضلع يافا ومن صخرتها ذات الأساطير، ومن جمالها الفتّان؟
فتى في جسده نار وقرين، ثائر متمرّد على السّلطان العثمانيّ وعلى الوالي مصّاص الدّمّ وعلى الغازي الغربيّ، لا ينهزم ولا يستسلم أمام الويلات والمصائب، صامد مثل صخرة يافا وأسطورتها.
فتى جميل مغامر يركب الرّيح وينسج الحكايات. نقّاش رسّام نحّات يسري دم الفنّ في شرايينه فيرسم طيور الحريّة التي تعشق الحياة والوطن. وأرض تشيله وأرض تحطّه فيلتقي الشّابّ القويّ بالفيلسوف الهنديّ وبكتاب الحكمة الشرقيّ الذي سعى صاحبه للقاء بمدوّنة الثّورة الفرنسيّة.
ويموت الطّغاة وأمّا الحكمة والتّنوير فلا يموتان يا يوسف اليافيّ يا ابن شعب فلسطين!
عملها مرّة أخرى هذا الرّوائيّ السّاحر وأسرني وقرّاءه الكثيرين بهذه اللغة الجميلة، قصائد الحبّ التي فيها عبق القرن الثّامن عشر، وبهذا الخيال الشهرزاديّ، وبهذا التّاريخ، تاريخ الذين لا تاريخ لهم.
لا. لا. نحن ذوو تاريخ منحوت على صخرة أندروميدا أعاد كتابته روائيّون كبار أمثال غسّان كنفانيّ وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ويحيى يخلف ومحمود شقير وسحر خليفة وإبراهيم نصر الله وربعي المدهون ومبدعون آخرون.. ومعذرة من الأخوة "آخرين".!!