على صفحة الفيسبوك، وتحديدًا يوم السّبت الماضي، حين نشرت وسائل الإعلام خبر سحب النّائب والرّفيق محمّد بركة ترشيحه من قائمة مرشحي الجبهة في المؤتمر الاستثنائيّ، دوّن أحدهم على صفحته قائلّا: لقد علّمت الجبهة محمّد بركة درسًا قاسيًا... ( لا أذكر نهاية المدوّنة)! وأقول أحدهم لأنّه يكتب تحت اسم هو كنية ( أبو ....)، علمًا بأنّه كما يبدو يعرّف نفسه جبهويًا أو على أقل تقدير صديقًا لهذا الخط. والحقيقة انني حين قرأت هذه الكلمات غضبت جدا، وكمن صفعني صفعة مدوّية أحسست أو أكثر، وأظنّ أن الكثيرين مثلي ممن قرأوا مثل هذه الكلمات أصابهم ما أصابني، وأسأل السؤال: أهذا هو المقابل الّذي يستحقّه محمد بركة من ( أبو فلان وأبو علّان) بعد عمر طويل عريض من العمل والنّضال؟ هل هكذا هي لغتنا ضعيفة هزيلة إلى هذا الحدّ؟ هل هذه هي ثقافتنا التي تقلّصت وتصحّرت وتقزّمت حين خلت من ثقافة الوفاء؟ إنّ الجبهة يا (أبو فلان) لم تعلّم محمد بركة درسًا قاسيًا، بل هو الّذي علّمنا أبجديّات الوفاء والعمل والنّشاط والسّياسة والأخلاق وحبّ الوطن والانتماء والهويّة والتّضحية والحريّة والتّواضع والمحبّة.. إنّ مثل هذه العبارات التي يطلقها البعض على عواهنها يجب أن توجّه لمن هم أعداء هذا الوطن وأعداء هذه الأمّة، فهل كان بركة هدفا للجبهة أو غيرها لكي يلقّنوه هذا الدّرس أو ذاك؟ وإذا كان أبو السّعيد قد أخطأ هنا وهناك، فهذا أمرٌ طبيعيّ، لأنّه يعمل، ومن يعمل يخطئ، ومن لا يعمل لا يُخطئ، ومن الطبيعي والصّحيّ أن يكون للبعض نقاش ورأي مختلف حول هذه القضيّة أو تلك، ولكن، لا ننسى أن النّقاش يجب أن يكون بنّاء وحضاريًّا ويصبّ في نهاية الأمر في مصلحتنا جميعا، ويجب ألّا ننزلق إلى عبارات وكلمات لا تليق بنا وبقيادتنا.
وبعد،
فإنني لا أقصد من خلال كلماتي هذه أن أمدح أو أمجّد أو أعظّم هذا الرّجل، لأنه لا يحتاج إلى المدح والتمجيد والتّعظيم، بل إنّ ما يمجّده ويعظّمه هو تاريخ حافل سطّره بحروف من ذهب على مدى سنوات وسنوات، وسجلّه النّاصع الذي ملأ الدّنيا وشغل النّاس، وتضحياته الكبيرة، ومواقفه الشّجاعة، وحبّه لكل ذرة من تراب هذا الوطن، وعشقه للغة العرب كلمةً وقصيدةً وقصةً وروايةً، وحضوره الرّائع في كل المحافل المحليّة وغير المحليّة، وتمثيله لنا عربا وأبناء لهذا الوطن، بل ما أريد قوله هنا، إن هذا الرّجل لا يعرف الهدوء والسّكينة، ولا يُتقن فنّ الصّمت والغياب كما بعضهم، بل هو مشاغبٌ ولا يتقن إلّا فن النّضال والمحاربة لأنّه ابن صفورية، وهو الذي شرب ماءها، وأكل من زيتونها وتينها وصبرها ولوزها، وتحمّم بعطر زهورها وتنشّف بنورها وافترش ترابها وعشبها وتلحّف سماءها، فحمل رائحتها كما يحمل رائحة إقرث وبرعم وسحماتا ودير القاسي والدّامون وميعار والبصّة والبروة والسمّوعي والمنصورة وكفر عنان والقائمة طويلة طويلة. وإذا كان محمّد بركة انتُدب ليحارب ويناضل من خلال هذا الموقع أو ذاك، فلا زالت المواقع كثيرة ولا زال الطريق طويلًا وشاقًا، ولا تزال راية نضاله خفّاقه وستبقى ما دامت الدماء تجري في عروقه. إنه كنيران المجوس، يضيء من المهد إلى اللحد، ومن السّلف إلى النّسل، وعلى مهل، على مهل، يشدّ الضّوء، خيطًا ريقًا، من ظلمة الليل ليرعى مشتل الأحلام، ويمسح دمع الأحباب، بمنديل من الفلّ كما قال صديقه ورفيق دربه الرّاحل توفيق زيّاد. ويخطئ من يظنّ أن أبا السّعيد سيهدأ ويستكين، بل ستكون انطلاقته قويّة مدوّية، بحجم ومساحة حبّه وعشقه لأرض الآباء والأجداد. وسيعود كما كان طفلا حين كانت أمّه تغني له:
يا حبذا ريح الولد ريح الخزامى في البلد
أهكذا كل ولد أم لم يلد مثلي أحد؟!