عندما يغيب الأحبة عنا ويسدل الستار على مسرح حياتهم يتحرك الوجدان وترنو القلوب قارعة أبواب الذاكرة فتسرح بين الروايات والقصص لتهز المحطات التاريخية فتستخرج منها المواقف والومضات البارقة التي كانوا قد سطروها وأضاءوها في حياتهم فيبقى للبيب ان يتلقى الزبدة ويستخلص العبرة جاعلهما منارة يهتدي بها منتفعا ونافعا لمحيطه الذي يعيش فيه. في الخامس والعشرين من حزيران الماضي فقدنا واحدا من هؤلاء الاحبة هو المناضل الحاج عمر عصفور عامر. واحدا من ذلك الرعيل الاول من المناضلين الذين تحدوا الحكم العسكري وخاضوا معركة البقاء والصمود في الوطن بكل شموخ فكانوا البدر في الليلة الظلماء.
وكانت جريدة الاتحاد، ورفيقاتها الجديد والغد والدرب مدرستهم الثقافية والأدبية والسياسية، ولي الفخر ان أكون ابنا لهذا الرجل حيث إنني اشعر باني كنت محظوظا عندما أمضيت جليسا معه سنوات عديدة اقضي اجمل الأوقات معه ناهلا المعرفة والثقافة والحكمة من شتى المجالات إضافة الى ذلك سرده لتاريخ كفر قاسم عامة وتاريخ نضاله مع رفاقه عبدالله داوود عيسى وعبدالله عوض الله عامر وصالح خليل عيسى ومحمد خميس عامر ومحمد داوود طه، الذين سطروا مواقف مشرفة في تاريخ كفر قاسم.
وفِي مقالتي هذه أودّ التوقف عند بعض الوقائع التي شهدتها كوني عشت في كنف ابو ناصر،
الاولى، كانت عندما كنت طفلا وبينما كنّا الأخوة نغط في سبات عميق افقنا على صوت ضجة في البيت فوقع بصري على شباك الغرفة مشاهدا شرطيا ينظر إلينا عندها ذعرت كثيرا ورافقني الخوف سنوات تلت، كانت هذه احدى جولات الإعتقال التي كانوا يقومون بها بحق والدي في ذلك الوقت بسبب نشاطه الوطني والسياسي، وكل واحد من اخوتي له قصة من هذا النوع على مدار سنين خلت.
الصورة الثانية كانت في الـ 28 من أكتوبر من كل عام حيث كان يجتمع في بيتنا كل الناشطون في احياء ذكرى الشهداء فكانوا يحضرون اللافتات والشعارات وأكاليل الورد لانجاح مسيرة احياء ذكرى الشهداء. وهنا كنت طفلا يعيش حالة غير مألوفة لباقي الأطفال وفي ذهني حب استطلاع كبير لما يجري ومنذ ذلك الوقت بدأت تترسخ في وجدان ذاك الطفل معان كبيرة اكبر من طفولته.
في سنوات السبعينيات كان الرفيق عبد الحميد ابو عيطة طيب الذكر يأتي الى بيتنا برفقة مجموعة من الرفاق الشباب وكان يقضي وقته مع والدي، اما الشباب فكانوا يذهبون الى مركز البلد لتوزيع الاتحاد، وذات يوم جمعة عندما كنت ابن الـ 12 ربيعا كان افتتاح الموتمر الـ 19 للحزب حيث ذهب الجميع الى الحفل فجاء الرفيق المسؤول عن الاتحاد واعطى الوالد رزمة من الإعداد وقال له "ابو ناصر دبّرها"، ناداني ابو ناصر وقال لي اذهب ووزع بقدر المستطاع وفعلت ذلك فكان اول نشاط سياسي لي في حياتي.
شاء لي القدر حضور لقاء جمعه بطيب الذكر القائد توفيق زياد في بيتنا قبل فترة قليلة من وفاة ابو الأمين، وتجلى في ذلك اللقاء اجمل صور الصداقة، صداقة المناضلين ورفاق الدرب الحقيقيين رحمة الله عليه وعلى ابو الأمين.
رافقته في لقاء مع الكاتبة والفنانة التشكيلية الفلسطينية سامية حلبي التي كانت تعكف على إصدار كتاب تتخلله رسومات عن المجزرة، وشهدت كيف كان يناقشها ويتطرق الى ادق التفاصيل لكي تبين الكاتبة الصورة الأكثر واقعية وحقيقية في إنتاجها وتجلى امامي ذوقه الفني والأدبي الرفيع.
كان ابو ناصر صديقا للحزب فكان يقوم بكثير من المهام طوعا ودون كلل وكان عنوانا له في الكثير من النشاطات المختلفة لتقديره واحترامه لمساندة الحزب له ولرفاقه المناضلين في مسيرتهم النضالية وخصوصا في احياء ذكرى الشهداء.
لقد أبدع الأمين العام للحزب الرفيق عادل عامر عندما وصفه بالصديق الصدوق للحزب،
كان يفتخر بكونه احد مؤسسي الجبهة القطرية الى جانب القيادات التاريخية للحزب والقوى التقدمية الذين ربطته بهم علاقات نضالية وشخصية حميمة.
واستمر التواصل الحميم حتى بعد ان أختار التصوف كأفضل طريق الى ربه.
هكذا كان ابو ناصر مناضلا محبا لشعبه ووطنه وصدوقا ومخلصا للشهداء لا يخشى الا الله مؤمنا بدربه فاتحا بيته للناس مربيا ومخرجا العديد من المناضلين والسياسيين والوطنيين.
اسأل الله ان يتغمده بواسع رحمته
وسيبقى ابو ناصر خالدا في ذاكرتنا وقلوبنا
الابن المشتاق
عبدالله
