يكتسب الإنسان المواطنة، في حال ولادته على هذه البقعة دون غيرها، وهذا الاكتساب يعطيه جميع الامتيازات الموجودة في هذا البلد دون غيره. ولا توجد أي قوة مخولة ان تجرده من حقه الشرعي والطبيعي في ممارسة حياته وتحقيق كيانه وذاته في هذا الانتماء. ومن سوء الحظ ان الأوطان العربية باتت سجونًا لشعوبها والزعيم المتنفذ على عرشه سرمدي أزلي، والشعوب في خدمة هذا الزعيم. والانكى من ذلك، ان بعض الأوطان العربية أسدل الستار على اسمها الحقيقي وأصبحت تسمى باسم مليكها أو باسم عائلته التي تفتك بهذا البلد، فمثلا شبه جزيرة العرب أضحت في غياهب التاريخ والسعودية هو الاسم المتداول في الإعلام بشتى صوره، نسبة لآل سعود!! التي تتنفذ بالثروة النفطية ما قيمته كل يوم مليونا برميل، منذ الحرب العالمية الأولى حيث ان الشريف حسين ساعد بريطانيا على مقاومة الامبراطورية العثمانية وعينت أبناءه فيصل في سوريا وعبدالله في الأردن.
المواطن العربي مهزوم في وطنه، مقموع من خليفته منافق ومداهن لزعيمه لكي يكسب رضاه من اجل فتات خبز، لا يشبع ناقة، ولا يكسر جملا. لقد تعلقت السيوف العربية على جذع نخلة على ضفاف دجلة، وناقتهم اختلطت مع البسوس، وفرسهم غلبت داحس ونخيلهم ذوى على الشواطئ والغدران وتكسرت النصال واهترأت وعلاها الصدأ!
لقد توقف التاريخ، من حدائق بابل المعلقة إلى الجامع الأموي في دمشق. وعلَّق أوراقه على حدوة حصان تتطاير في مهب الريح. حدائق بابل صمدت وخلدت مع عجائب الدنيا السَّبع، أما تاريخ الطغاة وسافكي الدماء يتطاير في كل خريف.
وامعتصماه؟! اضمحلت في اللغة وفي كتب الأدب، وأصبحت جوفاء، لا تعني شيئًا، سوى أحلام في حلكة الليل، في قيلولة الظهيرة، وأحلام اليقظة في الفجر.
القمع من نصيبي، والفقر حاضري ومستقبلي والقبر الجماعي قدري؟! فأين المفرّ؟! العدو أمامي، والتخلف ورائي، وليس لي إلا الموت الدماغي، الذي افقدني حواسي، فلا احلم، ولا اشتهي، ولا أحب، صُمٌّ بُكمٌ.
سدوم وعمورة في كل ركن، يصل اللص إلى العرش، وسرعان ما يحس انه ربكم الأعلى، يبطح في البلد، يزيّن قصوره بالرياحين يكدس الأموال في الخارج لكي لا تطالها يدٌ، جميع المقدرات تحت تصرفه، والعامة ترزح تحت فاقة الجوع والذل والامتهان أما الحرية وتبعاتها من عدل ومساواة والشراكة في مقدرات الوطن فتبقى كلمة في الكتب والمجلات، نتغنى بها، ونخاف عليها من الخروج إلى الواقع، لئلا تضيع ونضيع معها، ونُضيّع الأوطان وعندها نقول: لا حول ولا قوة لقد كان الماضي أجمل وأحلى، حتى البعيد البعيد، حيث كان صدر الحبيبة هو الوطن، حيثما رحلت رحل وحطَّ الرحال وإذا ما ابتعدت ورحلت مع عشيرتها حيث سبل العيش من كلأ وماء، راح الحبيب يزور اطلالها من حجارة الأثافي ويستذكر المشهد العاطفي، ويناجي الحبيبة، تارة هامسًا وأخرى باكيًا حرقة على غيابها متلهفا أرقا متشوقا لاهجًا باسمها.
أما الحاضر فمُرّ كالعلقم، العربي مهزوم في وجدانه وفكره من طاغيته، الذي لبس عباءة الخلافة حتى يقبض عزرائيل أنفاسه الأخيرة بعدما يصاب بالخرف، أو رصاصة تثقب صدره، من منازع على السلطة، أو كأن يطارَد في الكهوف الرطبة التي هجرتها الحيوانات ليختبئ من شعبه، بعدما فتك بالخيرات (فمن ورّثهم هذا الوطن)؟! والمواطن يحلم بحبة بلح لم تكتمل حلاوتها.. وتشتهي قطرة ماء من زمزم بينما تتدفق المياه في الآبار والأحواض، يشتهي جولة قصيرة والأبواب موصدة، في حين اننا نملك مفاتيح آسيا وأفريقيا؟! يتدفق الحجاج إلى بيت الله الحرام بالملايين، هذه السياحة – الفريضة – الدائمة والأزلية توفّر الربح الموفور والريع المضمون والرزق الميسور.
أما فتوى القرضاوي بعدم زيارة القدس – عروس عروبتكم – بحجة التطبيع مع إسرائيل، فقد جاءت لإحباط مبادرة أبو مازن في مؤتمر قطر لإعلاء شأن القدس، على اعتبار انها أولى القبلتين وثالث الحرمين، وهذه الفتوى ما هي إلا إزهاق أرواح الفلسطينيين، وطول أناتهم، وضرب الهيكل العظمي لقضيتهم، وما هذه الفتوى إلا ضريبة كلامية لا تكلّف مالا وكنوزًا إنما خدمة لملوك النفط وللأسياد في البيت الأبيض.
(حيفا)
