المعلم نمر

single
بعيدًا عن الضوضاء المملة حول تأليف الحكومة، تم في نهاية شهر كانون الثاني الماضي تشييع جثمان احد الأشخاص الأكثر حكمة وطيبة التي أنجبتهم هذه البلاد وانبتتهم على هذه الأرض. ورغمًا عنه فقد حولته إلى رمز والذي من الممكن لولا أننا قد اخترناه ان يكون سيئا.
نمر مرقس لم يرد ان تجرى له جنازة دينية، وفي المركز الثقافي في قرية كفرياسيف جلس حول زوجته وبناته الست رجال ونساء معًا. وقد جاءوا بجموعهم لوداعه الوداع الأخير، كما اعتادوا ان يأتوا لزيارته طيلة حياته.
البلاد التي كان مرقس ابنها وقائدها كانت قاسية تجاهه. في الـ 48 كان شابا ابن ثمانية عشر ربيعًا نحيفا وذا أحلام والذي عشق الأدب والفن، لكنه اضطر ان يعمل كموظف حتى "يتقدم في حياته" وفجأة انقلبت حياته رأسًا على عقب. وعندما هرب من حيفا إلى عكا في قارب كاد يغرق في الطريق، وعندما وصل القرية رأى العلم الأبيض. ومنذ ذلك الوقت وما بعده أصبحت كل حركاته معلقة بالحاكم العسكري، لكنه استطاع ان ينجح في تجاوز حدود المجتمع القروي وأصبح معلما محبوبا.
في الأول من أيار 1958، في المظاهرة التي تحولت مع مرور الأيام إلى واحدة من الرموز الأولى لنضال الجماهير العربية لنيل حقوقها، فقد أوسع رجال الشرطة نمر مرقس ضربا مع عدد من رفاقه، حيث اتهم بالعنف وقذف الحجارة. وقد استدعي مع ثلاثة من المعلمين إلى مدير قسم المعلمين العرب في وزارة التعليم، وهناك فصلوهم بدون تعويضات. وبدأ نمر بالعمل في كسارة حجارة الرخام وفي إرشاد الشبيبة، لكن اهتمامه السياسي والجماهيري قفز به نحو الأمام، فقد انتخب بالإجماع لرئاسة مجلس كفرياسيف.
في هذه الوظيفة بقي لسنوات عديدة، وقد اعتبر قائدًا متمرسًا في الحكم المحلي في إسرائيل. قرية كفرياسيف تحولت تحت قيادته من قرية زراعية بعيدة الى بلدة متطورة. ومن خلال ميزانية قليلة، وبعمل جماهيري محلي وبمساعدة آلاف المتطوعين من الخارج ومن المحيط القريب للقرية فقد ضم معًا معلمين وشعراء، رجال أدب ومهندسين ومصممين معماريين واوجد بنى تحتية مادية، اجتماعية، تعليمية وتربوية لسنوات طويلة.
نمر مرقس آمن حتى يومه الأخير ان النضال من اجل حقوق الإنسان، رجلا أو امرأة، وضد الدمار العنيف للنيوليبرالية والتعصب الديني والقومي، يمكن ان يكون أساسا مشتركا لاخوة حقيقية بين اليهود والعرب. والدولة أدارت له ظهرها بكل قسوة مع مرور السنوات، فقد طلبت منه ومن رفاقه إثبات ولائهم وسنت القوانين العنصرية ضدهم. وبالرغم من ذلك لكنه لم يتنازل عن الأمل انه في احد الأيام سيكون هذا المجتمع أكثر عدالة واقل غباء.
من المعروف، فان هذا لم يحدث، مع ان منظمات المجتمع المدني أحدثت في السنوات الأخيرة دمجًا ودفعًا لقلائل من العرب في المجال الأكاديمي والاقتصادي، لكن هذا التعاون السياسي اليهودي – العربي وضع في الهامش. التعبير البائس الصادر عن يئير لبيد، "زوعبيز"، يعبر عن فكر من الصعب ان نقرر فيما إذا كان مثيرًا اقل أو أكثر من حكم عسكري.
"المعلم مرقس أعطاني علبة لأقلام تلوين وعلمني كيف أرسم". قال ذلك محمود درويش في زيارته الأخيرة الى حيفا 2007. "فقد علمني أيضا ان أفكر وبلور وجهة نظري". تصوروا ماذا يمكن ان يحدث لو استطاع أولاد يهود ان يتعلموا لدى إنسان مثل المعلم نمر. أي مكان مختلف من الممكن ان يكون.
قد يهمّكم أيضا..
featured

يولي.... ماذا تفعل هنا؟

featured

من رفاقنا..

featured

يوميات هدى وأرشيف البداية 90 عامًا

featured

مغزى العدوان الاسرائيلي على سورية

featured

كلمات في أربعين أخي..

featured

سوريا الجريحة

featured

رحبعام زئيفي – الصورة البشعة خلف "الأسطورة"