رحل نلسون مانديلا، العملاق الأخير من عمالقة القرن العشرين أمثال غاندي ومارتن لوثر كينغ وعبد النّاصر وياسر عرفات ونهرو وديغول. مات الزعيم الذي لا يختلف عليه اثنان في هذا العالم، وسارت وراءه، بل بقيت بعده، سيرته الحسنة: الصّمود والتّسامح، القوّة والليونة، نظافة اليدّ واللسان، العفو والمحبّة.
رحل مسيح القرن العشرين وتسابقت في رثائه صحف البلاط وصحف الثّوّار، إذاعات القصور وإذاعات السّاحات، رجال البورصة والفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم، القتلة والقضاة، اللصوص والمحسنون، الشّعوب التي تعاني من الظّلم ومن الاحتلال وجنرالات الاحتلال والحروب.
مات أيقونة الحريّة والتّسامح.
رحل صديق الشّعب الفلسطينيّ الذي قال: إنّ ثورة جنوب إفريقيا لن تكتمل أهدافها قبل حصول الشّعب الفلسطينيّ على حريّته. ورحل صديق الشّهيد ياسر عرفات الذي قال: سوف يبقى الرئيس عرفات إلى الأبد رمزا للبطولة بالنّسبة لكلّ شعوب العالم التي تكافح من أجل العدالة والحريّة.
وتوافد قادة العالم إلى مدينة يوهانسبرغ لحضور الجنّاز التاريخيّ في استاد سوكر سيتي الذي استضاف مباراة نهائي كأس العالم لكرة القدم عام 2010 عندما شاهد العالم مانديلا للمرّة الأخيرة بين الجماهير. جاء الملوك ورؤساء الدّول ورؤساء الحكومات ومئات الفنّانين والشعراء والأدباء والمفكّرين والثوّار ليودّعوا بطل الحريّة والتّسامح والمحبّة والصّمود. وفكّر بنيامين نتنياهو أن يصطحب "سارته" ويستأجر طائرة خاصة به للسفر وعددا من طائرات سلاح الجوّ لتحمل سيّارات الليموزينا له ولحاشيته كي يشارك في الجنّاز، ولكن الرجل تراجع زاعما أنّ السبب هو تكاليف السفر الباهظة التي تصل إلى سبعة ملايين شاقل. فمن يصدّق ذلك؟ فلا يعقل أن يكون هذا سببا لمن يصرف المبالغ الطائلة على سرير زوجيّ في الطّائرة وعلى الشّموع المعطّرة وعلى الايس كريم وعلى وعلى الخ.؟
لعلّ نتنياهو تذكّر في لحظة ما أنّ حكومة إسرائيل كانت صديقة "من الروح إلى الروح" لحكومة الأبرتهايد التي سجنت مانديلا وأنّ علاقات متينة، عسكريّة واقتصاديّة وسياسيّة، ربطت بين تل أبيب وبين حكومة العنصريّين في جنوب إفريقيا، ولعلّه خاف أن يُقال له: من يتنكّر لحقوق الشعب الفلسطينيّ لا مكان له في جنّاز مانديلا. وفكّر شمعون بيرس، رئيس الدولة الذي كان صديقا حميما لحكومات الأبرتهايد التي قعدت على صدر شعب جنوب إفريقيا وسجنت مانديلا سبعة وعشرين عاما، فكّر أن يسافر ويشارك في الجنّاز فمنعه أطبّاؤه لإصابته بالانفلونزا. وأظنّ أنّ الرّجل العجوز قد شكر أنف العنزة الذي خلّصه من ورطة نظرات النّاس إليه في هذا الموقف الحرج. وسافر وفد إسرائيليّ برئاسة رئيس الكنيست معتقدين أن لا أحد يعرف يولي أدلشطاين في جنوب إفريقيا بل ربّما لا يعرفه النّاس في تل أبيب وكريات شمونة، ولا أحد عنده متّسع من الوقت ليبحث عنه في جوجل ليكتشف أنّه مستوطن ويمينيّ متطرفّ ويدعم الاستيطان والمستوطنين ويتنكّر بشدّة لحقوق الشّعب الفلسطينيّ ولا مكان له في جنازة مانديلا.
ومرّت الوفود الرسميّة أمام جثمان مانديلا. ومرّ يولي أدلشطاين فارتعد جسده من شوشته إلى أخمص قدميه عندما سمع صوتا طالعا من التّابوت يهمس: يولي.... ماذا تفعل هنا؟؟
