جنون الأرض

single

    تحجب عنّا الأحداث المتسارعة في بلادنا والمنطقة رؤية ما يحدث من ظواهر هامة وحركات طبيعية خطيرة وقضايا مصيرية سوف يكون لها تأثير فعّال على حياة أبنائنا وأحفادنا، فالغليان والاقتتال ونزيف الدم في سوريا ومصر والعراق واليمن والسودان والجزائر وليبيا وتونس وفلسطين أيضا يشغل عقولنا واهتمامنا ويطرح علينا عدة أسئلة صعبة قد يكون أسهلُها أعقدَها ألا وهو: ماذا بعد هذا التسونامي؟ ولكن هذا الغليان العربيّ الذي هو ثمرة عقود سوداء قاتمة من الظلم والاضطهاد لا يمنعنا من أن نأخذ إجازة قصيرة كي نفكّر في قضيّة مصيريّة قد تكون هي القضيّة الأخطر والأعقد في حياة البشريّة التي أطلق عليها عدد من المفكرين ومن العلماء اسما مرعبا هو " جنون الأرض " وخصص لها الكاتب الروائيّ اللبنانيّ المولد الفرنسيّ الجنسيّة واللغة أمين معلوف فصلاً في كتابه "اختلال العالم"، فبعد أن درس معلوف الاختلال الفكريّ والاختلال الاقتصاديّ في عالمنا عالج الاختلال المناخيّ الناجم عن فترة طويلة من ممارسات فرديّة وجماعيّة، حكوميّة وخاصة، ممارسات غير مسؤولة، خرج بالنتيجة القاسية التي تقول: إذا تركت البشرية الحبل على غاربة فسوف تحدث الكارثة الكبرى، فالتهديد الآتي من الاحتباس الحراريّ الناجم عن هذه الممارسات سوف يسبب في العقود القادمة اختلالات كارثيّة هائلة لا تستطيع البشرية اليوم أن تتخيل ضخامتها وخطورتها ولن تستطيع أن تتحمل نتائجها، فذوبان الجليد في غرووانلاند والقطب الشمالي هو تهديد للحضارة الإنسانية، وهو سحق ومحق لمنجزات البشرية منذ فجر التاريخ حتى اليوم لأن هذا يعني ارتفاع مستوى المياه في البحار عدة أمتار، وعندئذ سيبتلع البحر العديد من المدن ومن الموانئ ومن البلدات الساحلية التي نطلق عليها اليوم اسم عرائس البحار والتي تعجّ بالحياة وتزدهر بالحضارة، كما أنّ هذا الانحباس الحراريّ سيؤدّي إلى زيادة نسبة الكربون في الجو وسوف يتغيّر نظام سقوط الأمطار على سطح الكرة الأرضية، وتجف أنهار كثيرة، وتتصحّر بلدان بأكملها كما أنّ قلة الأمطار وشحّها والتصحّر سيؤديان إلى صراعات وحروب على المياه وعلى الطعام.
    أعتقد أنّ دولا عديدة ومن قارتيّ آسيا وإفريقيا ومنها بلدان عالمنا العربيّ التي تعاني حاليا من شحّ المياه والتصحّر ستكون الضحية الأولى والكبيرة لهذا الخطر الداهم الماحق.
    يتحدث العلماء المختصون كثيرا عن هذا الخطر ويعقدون المؤتمرات الدوليّة ويطلقون صراخهم وصياحهم في وجوه القادة السياسيين ورؤساء الدول محذرين من الكارثة التي ستحدث لعالمنا بعد ثلاثين سنة ويؤكدون أنّ الممارسات غير المسؤولة في الصناعة والمواصلات والكهرباء ستؤدي حتما إلى دمار الحياة وتتحمل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية الأولى عن الاحتباس الحراريّ وعن فشل جهود هؤلاء العلماء لإنقاذ الكرة الأرضية من الخراب.
   قبل تسعة عشر عاما، بعد إقامة السلطة الفلسطينية مباشرة، جمعتني سهرة لطيفة مع مجموعة من المثقفين في مدينة رام الله وحدثني أحدهم عن جهوده مع مجموعة من أصدقائه الشبان لإقامة حزب الخضر الفلسطينيّ للمحافظة على البيئة وجمال الطبيعة ومحاربة الممارسات التي مصدرها وأساسها الاحتلال والتي تسبب الانحباس الحراريّ.
   استمعت إليه يومئذٍ مستغربا وكأنني أقول في نفسي: بأي شيء نفكر ونحلم اليوم وأين يقف صاحبنا؟ ( احنا بيش وصاحبنا بيش ).
    كانت رؤية جليسي سبّاقة وسليمة، فهل قام حزب الخضر الفلسطينيّ؟ وهل يمارس النشاطات المتنوعة لينقذ الأرض من الجنون؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

حضارتنا...وحضارتهم؟؟؟

featured

حين يحذّر الجنرالات من الفاشية!

featured

استعجلت الرحيل، أيها الغالي والعالي، الشيوعي المجدلاوي الأصيل أبو حسين – خالد مناع

featured

مأزق الحركة الوطنية الفلسطينية

featured

طَرَبُنا وطربهم

featured

من طينة القادة الكبار