*ردًّا على مقابلة أجرتها صحيفة "حديث الناس" مع د. عادل مناع*
لست دكتورا أو بروفيسورا في علم التاريخ والجغرافيا، لكني أجيد فهم المقروء، وخلال دراستي في صغري كنت أحصل على نتائج جيّدة، فلا أظن أن قدرتي على فهم ما أقرأ قد قلّ بعد هذا العمر.
قبل أن أقرر الكتابة عن هذا الموضوع، فكّرت مليًا كي لا يخطئ فهمي لما قرأته في جريدة "حديث الناس" المحترمة في المقابلة مع د. عادل مناع وخصوصًا بما يدّعي به عن دور الشيوعيين العرب واليهود وموقفهم من إقامة دولة إسرائيل، فيبحر الدكتور بجمع ولملمة ما كتب حول هذه المرحلة، وبالمناسبة أشكره بذكره ولو بجملة واحدة عن مساهمة واشنطن ولندن للنكبة التي حلّت بشعبنا الفلسطيني، فمن يتمعّن في تصريحات الدكتور يخرج بانطباع بأن الشيوعيين وخاصة العرب منهم هم من قرّروا ويقررون ما حلّ في العالم وخاصة بفلسطين!
وبما أن الدكتور مناع، إبن قرية مجد الكروم جارة قريتي البعنة، فكان الأجدر به أن يشيد بنضال الرعيل الأول ممن عاصروا النكبة ونضال نخبة من الشيوعيين في المنطقة، حين لاطمت أكفّهم مخرز سياسة الترحيل والتشريد، من أجل البقاء في الوطن، فمن أكثر منك يا دكتور يعي دور محامي الأرض حنا نقارة الذي تمكن من إنقاذ الكثير من المواطنين في مجد الكروم والبعنة ودير الأسد ونحف ومن ثم نجحت هذه المعركة في سائر أنحاء البلاد واشتهرت باسم "معركة الهويات الحمراء" وهي عبارة عن تصاريح مكوث مؤقتة بدلا من الهويات الزرقاء لتتمكّن الصهيونية بعد ذلك من تمرير مخطط الترانسفير الجهنمي من الوطن، ولربما أذكر الأهزوجة التي باتت تردد في حلقات الدبكة والأفراح في البعنة ومجد الكروم وغيرهما، ابتهاجا بانتصار حنا نقارة والشيوعيين ضد مخطط الترحيل:
طارت طيارة من فوق الليِّة
الله ينصركوا يا شيوعيِّة
حنا نقارة جاب الهويِّة
غصبن عن رقبة إبن غريونا
(الليّة: منطقة غرب مجد الكروم)
كان الحريّ على الباحث الدكتور في التاريخ قبل أن يسرد على قرّائه ما لملمه من مصادر هنا وهناك، أن يجري بحثا معمّقا بحسب أصول مكانته التأريخية، وأن لا يسرد ما لملم بهذه المجازية والسطحية وكأنه يؤمن بصحّة ما يسرد.
نعم، كانت هناك وجهات نظر مختلفة في عصبة التحرر الوطني، إلا أن أغلبية أعضائها رأوا في تلك الفترة من الزمن حجم المؤامرة التي تقودها بريطانيا والولايات المتحدة بالتواطؤ مع الأنظمة العربية الغارقة في الرجعية والعمالة للاستعمار والحركة الصهيونية، على حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، عندها، اتّخذ الشيوعيون قرارهم الجريء بالموافقة على قرار التقسيم، بالرغم من عدم عدالته، فلوحق الشيوعيون العرب واتهموا في حينه بالخيانة العظمى من قبل الأنظمة العربية الرجعية الموالية ولاءً تامًّا للاستعمار.
وهنا، أود أن أقترح عليك يا د. مناع، أن تعود إلى أعمال الدكتور المؤرخ الفلسطيني والشيوعي الكبير إميل توما، الذي يعتبر من إحدى الشخصيات الفلسطينية البارزة من شعبنا الفلسطيني، كي تنمّي عندك قليلا من النصوص للرواية التاريخية الحقيقية التي يشهد على مصداقيتها وصحّتها كل فلسطيني حُرّ، وأقتبس من أعمال توما ما يتعلق بموقف الاتحاد السوفييتي، لأنك تتهمه بتحمُّل قسط بالنكبة التي حلّت بشعبنا الفلسطيني أسوة بموقف بريطانيا وأمريكا المتحيِّز تماما لقيام إسرائيل على حساب الدولة الفلسطينية. يكتب توما في المجلّد الرابع من أعماله الكاملة في الفصل التاسع عشر: "في نهاية العهد البريطاني لفلسطين، إتصل الوفد السوفييتي في هيئة الأمم بعدد من ممثلي حكومات الدول العربية، عارضًا استعداد بلاده لدعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل جلاء القوات البريطانية وتحقيق الاستقلال، لكن ونتيجة للارتباطات والالتزامات العربية البريطانية، رأت وفود حكومات الدول العربية أن لا تفتح ملفًا لعلاقات عربية – روسية، لأنه حسب رأيها، قد يسيء ويؤثّر على استمرارية العلاقات العربية البريطانية".
أعود وألفت نظر الدكتور مناع، أن الموافقة على قرار التقسيم وإقامة الدولة العربية على جزء من فلسطين كانت الرؤية المستقبلية الصحيحة للشيوعيين في تلك المرحلة، لأنهم كشفوا المؤامرة التي يرتّبها الاستعمار مع الحركة الصهيونية للاستيلاء على كل فلسطين، وفعلا نجحت المؤامرة وضاعت فلسطين، وعلى أثر ذلك عانى شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج شتّى أنواع الذلّ والتهجير والحكم العسكري ومصادرة الأراضي ومحاولة طرد من بقي في الوطن أمثالي وأمثال الدكتور مناع، وكان لبريطانيا ما أرادت في تنفيذ وعد بلفور وزير خارجيتها بإقامة وطن لليهود في فلسطين.
إنني على يقين بأن كل ما كتبته في هذه المقالة معروف للكثيرين، إلا أنه على ما يبدو لم يصل إلى آذان مناع، أو لم يقرأه في "الاتحاد" التي كانت أحد مصادره كما يدّعي. قلت، إنني أفهم المقروء، كما اني أفهم لماذا وبهذا التوقيت بالذات يقوم الدكتور مناع بالادلاء بمقابلة تحريضية ضد الشيوعيين، فيقلب الحقائق والتاريخ رأسا على عقب، ويبرِّئ بقصد أو بغير قصد الحركة الصهيونية والرجعية العربية والاستعمار مما حلّ من نكبة ومصائب لشعبنا الفلسطيني.
لن نسمح لهذا التزوير الفظّ للتاريخ ولنضال شعبنا الفلسطيني بقيادة الشيوعيين العرب في عصبة التحرر الوطني، وبعد ذلك الحزب الشيوعي عربا ويهودا. لن نسمح ولن نصفح ولن نمر على هذا التزوير مرّ الكرام.
(البعنة)
