ثاني رئيس لبلدية شفاعمرو ( 1933 – 1969 )
(بمناسبة مرور الذكرى المئوية الأولى على تأسيس بلدية شفاعمرو)
نشأته وحياته :
ولد جبور يوسف جبور في شفاعمرو عام 1895، تعلم في مدرستها الأسقفية الابتدائية وأتقن اللغتين العربية والفرنسية ( لغة الثقافة في ذلك العصر ) وألمّ باللغة التركية، لغة الحكم العثماني في ذلك الوقت، ثم أصبح مدرسا في هذه المدرسة التي تعلم بها رغم صغر سنه... وفي هذه الأثناء استطاع أن يزيد من ثقافته عن طريق القراءة والمطالعة وقد استطاع أن يثقف نفسه بنفسه...
وعندما أعلنت الحرب العالمية الأولى عام 1914 تم تجنيده في صفوف الجيش التركي بحسب قانون التجنيد الإجباري الذي صدر في أثناء الحرب ومن حسن حظه انه تم نقله إلى مدينة الشام وبقي فيها حتى عام 1920 حيث التقى بالعديد من المثقفين والأدباء العرب وتعرف عليهم وبالتالي انضم إلى صفوف الحركة القومية العربية وقد كانت في بداية نشأتها وكانت دمشق مركزا لها...
ثم يعود إلى فلسطين عام 1920 بعد معاهدة سايكس بيكو التي قسمت سوريا ولبنان وفلسطين ما بين فرنسا وبريطانيا وبعد فشل محاولة تنصيب الملك فيصل ملكا على سوريا...
رغم انهماك جبور جبور وإخلاصه لعمله إلاّ أنه لم يترك والده الذي كان مختارا للقرية دقيقة واحدة بل كان يقف إلى جانبه يساعده على قضاء ما يمكن قضاؤه من الأعمال في خدمة أبناء بلده وهكذا اخذ يتمرس شيئا فشيئا في الخدمة العامة ودراسة أحوال الناس ومشاكلهم واكتسب خبرة ومعرفة ساعدته فيما بعد بالقيام بالأدوار السياسية التي قام بها فيما بعد...
كانت قضية الأرض بالنسبة له قضية مقدسة يعتبرها محور النزاع والصراع في الشرق الأوسط وكان الحفاظ عليها هدفا رئيسيا من أهدافه... وهكذا وجد نفسه يسانده أهل بلده في نزاع رهيب مع حكومة الانتداب البريطاني للدفاع عن الأرض... لم يخلُ من العنف واللجوء إلى القضاء وغيره من اجل التمسك والتشبث بالأرض التي بدأت تفلت من بين أيديهم...
وقد استفاق أهل شفاعمرو ذات يوم ليجدوا أرضهم، أرض آبائهم وأجدادهم، تغرس بالأشجار بادعاء أن سرسق، الإقطاعي اللبناني، قد باع هذه الأرض فما كان من أهل شفاعمرو، أصحاب تلك الأراضي، يقودهم جبور جبور إلا أن قاموا بقلع تلك الأشجار على الفور ليعود غرسها من جديد وهكذا دواليك ولم يجد الأهالي بدا من السهر على أرضهم لئلا يأتي هذا الزارع الغريب بزرعه العجيب!!... وكان يقضي ليله ساهرا مع الفلاحين الساهرين على أرضهم...
استمر جبور في كفاحه حتى أوصل قضية أراضي شفاعمرو العادلة إلى القضاء وخاض معركة قضائية شرسة لدى المحاكم البريطانية يجابه بها عقدا موقعا من الإقطاعي اللبناني سرسق (وكأنه بأرض غيره يتبرع!!) وحاكما بريطانيا معاديا وبهذه العوامل مجتمعة يصبح صدور القرار لصالح خصمه وفي غير صالحه وصالح أهل بلده أمرا محتما...
وكان منذ أن ترك مهنة التدريس وهو يبحث عن عمل وكان أن وجد طريقه إلى التجارة الحرة ليجرب حظه فيها ولكن قدره لم يكن ليسمح له طويلا بمزاولة أعمال لم يخلق لها... وفي عام 1920 وبعد عودته من دمشق أقام له متجرا زاول فيه العمل التجاري حتى عام 1930 حيث قام بتصفية متجره وعين مختارا عن الطائفة المسيحية في شفاعمرو إلى أن جرى تعيينه رئيسا لبلدية شفاعمرو في شهر آذار سنة 1933...
إنتهت الحرب العالمية الأولى عام 1918 بزوال حكم الأتراك عن هذه البلاد ودخول الانكليز إليها فاستبشر الناس خيرا في بداية الأمر ظنا منهم أن الانجليز إنما جاؤوا لإقامة المشاريع وتطوير البلاد وقد صدقوا وعودهم وما كان احد يفكر بان الانجليز كانوا ابعد ما يكونون عن هذا الهدف... ولم تشذ شفاعمرو عن بقية بلاد فلسطين وبقيت الحالة فيها على ما عليه من جمود إلى أن توفي أول رئيس بلدية لها وهو المرحوم داؤود التلحمي عام 1932 والى أن عين جبور جبور رئيسا للبلدية عام 1933 خلفا له...
وبدأ منذ توليه الرئاسة يخطط لتطوير البلدة ويعمل من اجل ازدهارها وعمرانها فاستطاع بعد مفاوضات مضنية ومداولات عديدة مع حكومة الانتداب تخللتها إضرابات ومظاهرات قادها بنفسه إلى أن نجح في هذا المسعى الشاق وبوشر ببناء أول طريق معبد يربط شفاعمرو بمدينة حيفا عام 1934 وكانت البلدة بأمس الحاجة إليه وهي التي عانت الأمرين من الطريق الترابي غير المعبد والذي كان الناس يقاسون من السير عليه وخصوصا أيام الشتاء الموحلة...
كانت البلدة تفتقر إلى مياه الشرب أكثر مما تفتقر إليه من المشاريع وخاصة في أيام الصيف القائظ إذ كان الأهالي يعتمدون على مياه الينابيع وآبار الجمع وتمكن جبور جبور رغم موارد البلدية الضئيلة أن يشتري "ماتورا" لضخ مياه الشرب إلى مركز البلدة ومن هناك توزع على الأهالي واهتم بنظافة البلدة وأقام نظاما بسيطا لجمع النفايات يعتمد في جمعها على الأيدي العاملة إذ لم تكن الآليات معروفة بعد كما هو في عصرنا الحالي...
وبعد أن أتم فتح الشارع المعبد الذي يصل شفاعمرو بحيفا عمل بصعوبة بالغة على شق شوارع معبدة داخل البلدة القديمة ولم يكن الأمر بهذه السهولة فالبيوت القديمة ملتصقة بعضها ببعض وكان لا بد من هدم بعض البيوت فاصطدم بمعارضة أصحابها ولكنه استطاع بحكمته وحنكته أن يقنعهم وقام بدفع تعويضات بسيطة لبعضهم وإعادة بناء ما تهدم من أقسام منها... ولعل أهم انجازاته في ذلك الوقت إقامة مسلخ حديث لذبح الحيوانات تحت إشراف طبي اهتماما منه بصحة سكان البلدة...
إلا انه وخلال القيام بهذه الأعمال العمرانية الجبارة بالنسبة لذلك الوقت قامت ثورة 1936 حيث شلت حركة الأعمال وما كادت تنتهي تلك الثورة حتى أعلنت الحرب العالمية الثانية فعاد الجمود يعم البلاد ثانية وتوقفت الأعمال الإنشائية بحجة الحرب وكان جواب الانجليز الدائم انتظروا إلى حين الانتهاء من حالة الحرب هذه...
وفي خضم الثورة وفي أثناء أعمال الشغب والفوضى التي رافقتها في بعض الأحيان قام بعض الناس من أهل شفاعمرو بحفر طريق حيفا – شفاعمرو التي لم يكن قد مضى على تعبيدها سنة أو سنتان حتى ثارت ثائرة الانجليز وانزلوا أقصى العقوبات على أهل شفاعمرو وفرضوا على البلدة غرامة باهظة لم يكن بمقدورهم دفعها...
وهكذا تعثر مشروع مد البلدة بالكهرباء الذي بوشر بالتحضير له ثم توقف نهائيا وغادر الانجليز البلاد دون أن تدخل الكهرباء شفاعمرو... وفي ظل حرب 1948 وما تلاها من تداعيات، أصبح هم جبور جبور الأكبر أن يعمل كل جهده لإبقاء سكان فلسطين على أرضهم وعدم مغادرة البلاد وقد بدأ النزوح تدريجيا وحاول أن يمنع الناس من الرحيل... ولأجل هذا الغرض اتصل بالعديد من رؤساء البلديات والزعماء طالبا منهم مناشدة الناس وإقناعهم بالبقاء... وكان المرحوم يوسف بك الفاهوم رئيس بلدية الناصرة وكان رجلا حكيما مخلصا يتفق معه في الرأي ولعل موقف هذين الرجلين يؤيدهم بعض وجهاء المدن والقرى الأخرى ساهم في بقاء أكثرية سكان الجليل على أرضهم وفي وطنهم وقد آثروا البقاء على الرحيل رغم ما في هذا القرار من مخاطرة ليست بسيطة...
اعتزاله لرئاسة البلدية
في عام 1969 قرر أن يعتزل رئاسة البلدية بعد ان أمضى ما يقرب 36 عاما وقد تم تعيين المرحوم ابراهيم نمر حسين رئيسا لبلدية شفاعمرو من بعده... ومن أهم انجازاته خلال فترة رئاسته لبلدية شفاعمرو تنفيذ مشروع المياه عام 1954 وبناء خزان كبير ومد شبكات المواسير وتم إدخال المياه إلى معظم بيوت البلدة وفي عام 1958 أتم مشروع الكهرباء ودخلت الكهرباء البيوت وأضيئت شوارع البلدة وبدأ بإقامة الخط الرئيسي لمشروع المجاري بطول ثلاثة كيلومترات يشق البلدة من شرقها إلى غربها إلا أن الوقت لم يسنح له بإتمام هذا المشروع الهام إذ اعتزل العمل البلدي قبل إتمامه...
كتاباته
كتب العديد من المقالات عن تاريخ البلدة وأراضيها ونشر العديد من المقالات السياسية ومعظمها في موضوع الدفاع عن الأرض وعن حقوق المواطنين العرب وضد التمييز العنصري اللاحق بهم ونشرها في مجلة " الرابطة " كما نشر بعض المقالات في الصحف الأخرى واستمر في الكتابة حتى آخر أيام حياته والى إن وافته المنية في 28 نيسان 1981...
(من كتاب "شفاعمري بين ثلاثة عهود" الذي سيصدر قريبا)
