إنه الميلاد ... ميلاد مجيد ليس قبله ولا بعده ميلاد مثله، انه ميلاد رسول كريم ولد للسيدة العذراء البتول، كان قد جاءها المخاض الى جذع النخلة، ولدته هناك وهي تعاني آلام المخاض وحدها، فكان ذلك قدرها واي قدر كان ذلك.. لقد ولدت طفلا مباركا نبيا آوتي الكتاب، سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.هكذا كان ميلاد السيد المسيح عليه السلام، ميلاد عظيم يستحق ان نقف عند ذكراه للتأمل فيه واستخلاص العبر منه بالرغم من مرور اكثر من الفي عام عليه.
وبعد الوقوف عند معاني الميلاد العظيم وما تمثله من دروس عظيمة للبشرية جمعاء، رأيت ان اتوجه برسالة لصاحب الميلاد، خاصة وانه قد مر اكثر من الفي عام حملت معها وفي طياتها ما حملت من احداث تغيرت فيها ومعها البشرية من بعده، حتى وصلنا الى ما نحن عليه في عصرنا هذا.
سيدي صاحب الميلاد، وما نحن الا مثلك انت ابن لهذه البلاد والديار المقدسة، ولدت فيها رسولا للمحبة والسلام، الا انك عشت فيها عيش الانبياء عانيت الامرّين من الاضطهاد والتنكيل والملاحقة من الجنوب الى الشمال، اذ لا نبي في وطنه، كان ذنبك انك ولدت هنا في هذه البلاد وفوق هذا التراب المقدس كما هو ذنبنا، عشت تبحث عن مخبأ حتى لا تطالك ايدي الغدر ولا تلحق بك عيون الخونة. سرت فوق الماء وجئت بالمعجزات الواحدة تلو الاخرى، لكن كل هذا لم يأت بالخلاص.
وكيف يكون الخلاص وانت لست فينا ولا بيننا، انك تطل اليوم علينا من العلياء وترى ما آلت اليه الحال، وقد قيل ان دوام الحال من المحال، فلا زالت الحال يا سيدي هي الحال وكأن الالفي عام لم يمروا من هنا، فالاضطهاد هو الاضطهاد والتنكيل هو التنكيل والملاحقة هي ذاتها وقد طال التشريد والتطهير لشعب بأكمله، اما التضييق والحصار فجدار من الشمال وجدار من الجنوب، واحد من الاسمنت المسلح يكاد يطال السماء في عليائها، والآخر من فولاذ يغوص احد طرفيه في باطن الارض اما طرفه الآخر فيناطح السحاب.
الا زلت تذكر درب الآلام .. تلك الدرب التي سرت فيها وحيدا تحت ضربات السياط وانت تنزف دما مقدسا، كنت تئن تحت تلك الضربات وتسقط مع كل واحدة منها على الارض، فتروي ترابها بدمك المقدس حتى اصبحت هي القدس زهرة المدائن التي أسري من بعدك بأخ لك اليها، انها المدينة التي احببتها انت وسنبقى نحبها الى الابد لانك هي ولانها انت، انها اليوم تأن كما كنت تئن، المشهد ذاته لم يتغير فيه شيء، فالايدي هي ذات الايدي والسياط هي نفسها التي استعملت قبل الفي عام يجلدون بها المدينة كل يوم الف مرة، فباتت تترنح من قسوة الضربات وبدأت تنزف كما نزفت انت وينزف معها اهلها ولا من خلاص.
سيدي .. ايها الطريد المشرد، لقد حل بك الترحال في قانا، فلماذا قانا، وما هو هذا القدر المكتوب لها، لماذا اخترتها هي بالذات من بين كل البلدات والقرى، الم تجد سواها لتحل بها، فقد حل بها من بعدك الشعب الطريد المشرد، طردوا من حيث طردت وشردهم من شردوك، فسلكوا الطريق التي سلكت وحل بهم الترحال حيث حللت، جئت قانا فتقدست بوجودك وجاءوها فتقدست بارواح اطفالهم الطاهرة التي حلت عندك في العلياء، فدع تلك الارواح تروي لك ما حل باصحابها وما حل بقانا.
سيدي .. أيها الفادي والفدائي الاول، لقد سارت الاجيال تلو الاجيال على طريقك، علمتهم كيف يكون انكار الذات وكيف يكون حب الآخر، علمتهم كيف تقدم نفسك قربانا على مذبح الايمان والعقيدة فلا تتزحزح عن ايمانك حتى وان زهقت الروح، فما تنقص ضربات السياط من ايمان صاحب الايمان بل تزيده ايمانا.
سيدي صاحب الميلاد المجيد، اننا اليوم اكثر من اي وقت مضى، بحاجة للتأمل بمعاني ميلادك وحياتك لنستخلص منها العبر، ان عالمنا غافل عنك رغم حاجته اليك، انه عالم تستبيحه الحروب والنيران والصعاب والاحزان. فما اشد حاجتنا اليك لان تكون فينا وبيننا كي ينظر كل منا الى داخله بحثا عن الانسان الحقيقي صاحب القلب الدافئ كي تسكن فيه المحبة والرحمة والسلام " فالمجد لله في العلى وعلى الارض السلام وفي الناس المسرة.
(حيفا)
