أكثر ما يقلق نتنياهو وأركان حكومته المنهارة، في هذه الأيام، هو اقتراب ساعة الحسم وحساب الزمن والتاريخ، بل العقاب على ما فعلت أيديهم وما يتمخض عنه تفكيرهم المريض وعقليتهم الدموية بحق الإنسان والمواطن الفلسطيني، في ممارسة فن القتل الفردي والجماعي في أبشع الصور وأكثرها بشاعة ودموية وكان آخرها العدوان الدموي على قطاع غزة الصيف الماضي، والحصيلة كانت قتلا بالآلاف وجرحى بعشرات الآلاف وعائلات مُسحت بالكامل عن الوجود الإنساني. وخرابًا ودمارًا لا يعد ولا يُحصى يحتاج إلى سنين طويلة وأموال كثيرة من البناء وإعادة الاعمار.
ومع توالي الأيام والمحن أصبح نتنياهو يعيش حالة من الهستيريا السياسية المعقدة في قلق وخوف شديدين – الخوف من المحكمة الدولية وتداعياتها، ثم من السقوط السياسي والانتخابي القادم في السابع عشر من آذار غير البعيد، فالنهج والفساد والإفساد الذي يغرق به بعض أطراف حكومته واليمين عامة، قد جعله يعيش حالة غير طبيعية ويكثر من الخروج عن طوره واتزانه وتمالك نفسه كرئيس حكومة غارقة في محنة الإفلاس السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويعيش على الخطاب والتهديد والابتزاز العسكري في السيطرة والاحتلال والحرب والاستيطان وقمع وكبح النضال التحرري للشعب الفلسطيني.
المؤشرات السياسية والعلاقات الدولية المشحونة مع حكومة نتنياهو واليمين عامة أصبحت في الحضيض، حتى حلفاء إسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة، أصبحوا يشعرون بالإحراج ويتذمرون من سياسة نتنياهو وحكومته في مجال تهميش عملية السلام أو من خلال التهجم على المؤسسات الدولية ومنها محكمة الجنايات الدولية. فاستطلاعات الرأي الأخيرة وهي مركز ثقة في أوساط الشعب والحكومة، تقول ان سقوط نتنياهو واليمين عامة أصبح حالة وحاجة موضوعية وواقعية ملحة تقع في خانة شبه المؤكد، وبما ان التوجه الفلسطيني لمحكمة الجنايات الدولية أصبح مؤكدًا ويأخذ طابع التحضير والإجراءات التنفيذية وخطواتها القانونية بموجب القانون الدولي، بعد انضمام فلسطين مؤخرًا لها، اخذ نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان يكشفان القناع عن وجهيهما القبيحين والاستعلائيين بكيل التهديد والوعيد والصراخ ويتوعدان ويزمجران في وجه السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، ويدعوان بشكل علني لحل السلطة الفلسطينية وعزل رئيسها ومطالبة المجتمع الدولي بالبحث عن خيار أو بديل للسلطة الحالية.
المجتمع الدولي ومحكمة الجنايات الدولية لم يتسنَّ لهما البحث في تفاصيل الطلب الفلسطيني بعد، ولم تقدم بعد أية اتهامات من جانب المحكمة لمسؤولين إسرائيليين بعد، فعلى ما يظهر أصبح ينتاب حكام إسرائيل وأركان حكومة نتنياهو موجات من الخوف والذعر الشديدين، لان الخوف بحد ذاته هو عملية استباقية تنم عن مرحلة معينة جرى فيها ارتكاب الجريمة، انتهى فيها الوقت وحان الوقت أو ردة الفعل على مرحلة معينة من تنفيذ الفعلة، وجاء الدور ان يمثل المجرم للعدالة ويحاكم، وهذا الشخص الخائف هو المجرم الحقيقي وأركان حكومته من سياسيين وعسكريين وغيرهم.
إن تصريحات الكثير من قادة حكام إسرائيل والائتلاف اليميني الحاكم والمنهار، وعلى سبيل المثال موشي يعلون وزير الحرب والمجازر في عدوان غزة الأخير، اخذوا يفقدون السيطرة على أنفسهم من خلال الاستباق في إطلاق التصريحات المعادية لمحكمة الجنايات الدولية والتشكيك في مصداقية ونزاهة قراراتها وتوصياتها حتى قبل بحثها وإصدارها، بل مناشدة الدول الغربية الداعمة لسياسة حكام إسرائيل وللحليف الإسرائيلي الأكبر الولايات المتحدة، تدعو فيها إلى قطع المساعدات المالية عنها، فيما يدعي آخرون من زمرة نتنياهو الحكومية وعلى رأسهم وزير الخارجية ليبرمان، إلى الدعوة إلى حل محكمة الجنايات الدولية وإنهاء عملها كليًا، لأنها بتصرفاتها وأحكامها تدعم الإرهاب، و"تريد ان تحاكم حكام إسرائيل الذين يقفون ضد الإرهاب" من خلال الدفاع عن مواطنيهم. هذا يعني من وجهة النظر السياسية والأخلاقية، ان قادة إسرائيل اليوم ووزراء في الحكومة الحالية المنتخبة والساقطة، قد فقدوا السيطرة على زمام الأمور، وانهم فعلا متورطون حتى العظم على المستويين السياسي والعسكري في تنفيذ عشرات المجازر التي يندى لها الجبين بحق الشعب الفلسطيني وأهالي غزة بالذات.
لا يمكن ان تتغلب الوقاحة الاستعلائية، وغرور القوة وسياسة ضربني وبكى سبقني واشتكى، التي يتميز بها حكام إسرائيل، ومحاولة الهروب الدبلوماسي في شتم الآخرين وتلويث الرأي العام العالمي، من خلال الحملة الإعلامية والدبلوماسية المبنية على فن التزييف وتغطية وجه الشمس والحقيقة التي يعرفها العالم اجمع، بعباءة التهديد والوعيد والصراخ الذي أصبح على قد الوجع من ان أيديهم ملطخة حتى أنوفهم باستباحة الدم الفلسطيني على مدار الـ 66 عامًا وما قبل الولادة غير الطبيعية المبنية على أنقاض ومآسي وجماجم الشعب الآخر الشعب العربي الفلسطيني. هكذا هي الصهيونية ولا تستطيع ان تكون سوى ذلك، حكام إسرائيل على مر التاريخ أقاموا ما أقاموه على ارتكاب المجازر بحق شعب الضحية.
أيها الحكام، كل شيء لديكم بمنطق القوة، تحتلون تحاربون تقتلون تبنون مستوطناتكم بالقوة، تستولون بحق القوة على ما ليس لكم، تبنون جداركم العنصري فوق أرضنا وعظامنا. تنتهكون حرمة مقدساتنا تقتسموننا الحرم الإبراهيمي وتسعون لتقسيم الأقصى. كل شيء يبدو لكم شرعيًا طبيعيًا عادلا. وتصرخون بأعلى صوتكم لإثارة الضجيج العالمي عندما يثقب رأس الإبرة جسمكم الحساس لانكم اعتبرتم أنفسكم من طينة غير طينة البشرية، فانتم صنفتم أنفسكم على أنكم "شعب الله المختار"، لكن الله عز وجل لم يقسم الشعوب والأمم ولم يفضل شعبا وأمة على أخرى.. فأين انتم من قوة التاريخ وحكم الزمن، أين انتم من محكمة الشعوب، ووحدة المظلومين، إذا الميزان مال يومًا في هذا الكون العاصف والمتغير، وهي ساعة لا ينفع عندها الندم، ان ميزان الحق والعدالة وكرامة الإنسان والمظلوم، أقوى من بطشكم وجبروتكم واحتلالكم وغطرستكم، وها هي محكمة الشعوب والجنايات الدولية في انتظاركم.
لا تخافوا فالعدل سيأخذ مجراه.
(كويكات / أبو سنان)
