*قبل أيام اطل علينا وزير الخارجية ليبرمان، وأعلن حينها وعلى رؤوس الأشهاد بان على المواطنين اليهود مقاطعة المحال التجارية العربية التي أعلنت الإضراب!*
من منا لا يحرق سويعات كثيرة خلف شاشة المرناة أو قبالة حاسوبه النقال يتصفح مواقع الأخبار أو يجلس مصغيا الى مذياعه ليتلقف خبرا عاجلا حول المجزرة البشعة التي يقترفها الجيش الإسرائيلي بحق أهلنا في غزة المحاصرة منذ أعوام؟
والمتتبع الحريص لمثل هذه الأخبار لا بد أن تزوغ عينيه حول أخبار وأنباء لا تمتُّ بصلة للحرب بشكل أو بآخر، ولكنها تحمل بين طياتها أهمية لا تقل أهمية عن عدد القتلى أو الجرحى من الطرفين، أو من عدد صليات القذائف ومكان سقوطها. فقبل أيام اطل علينا وزير الخارجية الإسرائيلي، افيغدور ليبرمان، وأعلن حينها وعلى رؤوس الأشهاد بان على المواطنين اليهود مقاطعة المحال التجارية العربية التي أعلنت الإضراب تماهيا مع قرارات اللجنة العليا للمواطنين العرب، فطبعا الكثير منا قرأ هذا الخبر ولكنه لم يعره اهتماما كون أن هذا الرجل المأفون معروفة أراؤه التي يقطر منها السم واللؤم تجاه كل ما هو عربي.
لا أود في هذه العجالة أن أتطرق كثيرا الى كلام هذا الرجل ولا أن البسه ثوبا فضفاضا وذلك لصغر حجمه، ولكن أريد أن الفت انتباه القارئ بان كلامه هذا اخذ حيزا كبيرا في الصحف العبرية والمواقع الاخبارية وإجماعا لدى الرأي العام اليهودي، فبدأنا نسمع ونقرأ من جل المعقبين على الخبر من الطرف الآخر بان هذا الكلام سليم ولا تشوبه شائبة، ونادوا بمقاطعة المصالح العربية وعدم الشراء أو التعامل معها، أو أن يقوم المشغلون اليهود بطرد عمالهم العرب واستبدالهم بأيد عاملة يهودية، ومنهم من نادى جهارا على مضايقة العمال العرب والاستغناء عن خدماتهم!
ولكن وللأسف الشديد فان الكثير من إخواننا العرب اتبعوا المثل القائل (أذن من طين وأذن من عجين) حيال هذا التصريح أي أنهم لم يدركوا مخاطره ولم يقفوا على حيثياته وعواقبه. لا بل استمروا في نهجهم المعتاد الا وهو الشراء فقط من المصالح اليهودية، وإذا قمت بسؤالهم حول الدافع من وراء ذلك فانهم يتبجحون بأسباب واهية من اجل التستر على فعلتهم الدنيئة تلك، مثل قولهم: ان الأسعار في المصالح اليهودية ارخص!، أو أن حملات التنزيل بالاسعار أكثر!، البضاعة أجود!، يوجد أماكن وقوف بكثرة!، عملية الشراء من المدن اليهودية تكون عبارة عن نزهة عائلية يرافقها الجلسات في بعض المطاعم أو اللهو في الحدائق أو التجوال هنا وهناك!.
انا إنسان أعيش في إحدى القرى المتاخمة لمدينة كرميئيل اليهودية، فبرغم سني المتقدم نسبيا ولكني لا اذكر بأني اقتنيت من حوانيتها الكثير الا ما فقد في قريتي أو من القرى المجاورة واضطررت (مكرها أخاك لا بطل) لاقتنائه من هناك. فانا اعتبر هذه المدينة قد زرعت بيننا من اجل تقطيع أوصالنا وللاستيلاء على ما تبقى لنا من الأرض.
وقبل أن اقفل الخاطرة تذكرت حادثة حدثت لي قبل أسبوع:
طلب مني أخي أن أرافقه الى كرميئيل لإجراء بعض الترتيبات في شركة الهواتف النقالة، وبعد أن أوقفنا السيارة في الموقف المخصص، قمنا بإجراء جولة سريعة في مجمَّع المتاجر الكبير حتى يحين موعد فتح شركة الهواتف النقالة أبوابها. خلال تجولك تشعر وكأنك تتمشى مختالا في إحدى المدن العربية من كثرة الزوار والمشترين العرب، فتكاد لا تسمع العبرية هنا فالجميع يتحدث العربية، فهذا أب يحذر ابنته الصغيرة عندما همت بقطع الشارع بالعربية، وتلك ام تجر أمامها عربة ابنها الصغير وتكغِّي له بالعربية، وتلك صبية في ريعان شبابها خرجت للتو من مكان عملها وتتحدث مع صديقها وطبعا بالعربية، وهذا يصرخ وهذه تلعن، وذاك يهمس وتلك تغني وطبعا كله بالعربية.
في هذا المكان لفت نظري فتاتان متبرجتان، ترتديان افخر الماركات ويضعن النظارة فوق رأسيهما وبالصدفة قامتا بالدخول الى نفس متجر الملابس الذي دخلته مع أخي من اجل أضاعة بعض الوقت، فبدأتا بتقليب الملابس والدخول الى غرفة التغيير لتقيسا الملابس التي تريدان شراءها ومن خلال هذا أيقنت بان هاتين الفتاتين هما زبونتان دائمتان للمتجر. كما أني تيقنت ومن خلال حديثهما بأنهما من بلدة مجاورة كبيرة ولكني تعجبت من وجودهما هنا لان بلدتهما تعج بالمتاجر ومن آخر صرعات الموضة! وبعد مدة توجهت اليهما البائعة اليهودية بسؤال في ما إذا كان بإمكانها تقديم المساعدة لهما. تلبكت الصبيتان لأنهما لا تتقنان العبرية كما يجب، وبعد جهد جهيد عرضت عليهما البائعة بعض الملابس فأخذتاها من دون أن تقيساها ووجنتاهما تكاد تنفجر من الحياء والخجل، ثم دفعتا المبلغ وخرجتا.
بعد برهة تقدمت بائعة اخرى (يهودية طبعا) الى البائعة الأولى لتسالها حول هاتين الصبيتين، استرقت السمع حين ردت الأولى وقالت:
- "إنا اعرف هاتين الصبيتين حق المعرفة، لأنهما تترددان على المتجر من حين لآخر فانا أقوم بعرض ملابس من المخزن عليهما ومن تصميمات اكل الدهر عليها، وهما يقومان بالشراء ومن دون تردد ويظنان بان ما اقتنتاه هو آخر صرعة".
- ردت الثانية وقالت: "بحق السماء، منذ متى بدأ العرب يلبسون الماركات؟ لذلك منذ الآن فصاعدا سأقوم ببيعهما فقط من المخزن، وان لم يعجبهما فليشتريا من بلداتهما، لأني لا اريد أن أراهما هنا".
عندها نظرت الى أخي وفي مقلتي سؤال حول ما سمع وما شاهد، فقال:
- "مستاهلات، لأنهن بفكروا انو البنطلون من كرميئيل مخيط بخيطان من ذهب والبنطلون من بلدهن بدو يكلح من أول غسلة".
فاقرأوا واعتبروا يا أولي الألباب.
