تجاهل مانحو الرئيس اوباما جائزة نوبل للسلام انه هو القائد الأعلى لجيش بلاده، وان هذا الجيش يخوض حروباً ثلاثا في المنطقة العربية والاسلامية، وانه يبحث رفع عدد الجيش ومستوى الحرب في احد هذه البلدان، وانه يهدد بحروب في بلدان أخرى قريبة، وانه يمتلك مئات القواعد العسكرية حول العالم، وانه يدير دبلوماسية الإمبراطورية بوسائل القوة، وإن قدّم التفاوض على ذلك احياناً.
تجاهلوا ان هذه الامبراطورية لا تصنع السلام، حتى ولو شاءت إدارتها. امبراطورية تنفق على السلاح ووسائل الحرب أكثر مما تنفق بقية بلدان العالم مجتمعة. هي المصدِّر الأكبر للسلاح في العالم. هي الداعم الاكبر للسلاح النووي في العالم. يعجبها امتلاك بعض البلدان للسلاح النووي كإسرائيل والهند (وباكستان احياناً)، ولا يعجبها امتلاك آخرين للسلاح النووي (كوريا الشمالية وإيران) فتهددها بالحرب. والأسباب تبدو عشوائية في كل من الحالتين. تأتي إدارة فتقرع طبول الحرب ليعلو صوتها فوق كل الأصوات الأخرى. وتأتي إدارة أخرى لترفع الأصوات الأخرى فلا تُسمع طبول الحرب، ولكن بعد التعيين لمنصب وزيرة الخارجية سيدةً كانت مرشحة للرئاسة صرحت في حينها انها سوف تمسح عن وجه البسيطة بلداً يفكر بإيذاء دولة إسرائيل.
في نهاية الحرب العالمية الثانية استخدمت هذه الامبراطورية السلاح النووي في سبيل السلام؛ ومازال السلام العالمي مرهوناً باستخدام السلاح النووي والترسانة الكبيرة من الصواريخ التي تحمله الى أهدافه لتدميرها في حال عدم الانضباط. زال الاتحاد السوفياتي الذي كان يهدّد. اصطُنع بعده تهديد آخر من منطقة لا تكاد تهدد إلا نفسها. وبلادنا جزء من هذه المنطقة. وُجدت في هجمات 11 أيلول مناسبة لشنّ حروب جديدة. تخضع بلادنا للعديد من هجمات اشدّ وأدهى من 11 أيلول الأميركية، ولكنها لا تعتبر في حالة دفاع عن النفس. مهما فعلت إسرائيل، ومهما كانت المجازر التي ترتكبها، فإنها تعتبر لدى الامبراطورية في حالة دفاع عن النفس دائمة. هنا ايضاً تشنّ الحروب من اجل السلام. لكن سلامهم غير سلامنا. سلامهم غير سلام العالم؛ سلامهم تمليه إرادتهم؛ سلامنا بالنسبة اليهم هو ان نخضع لهم. اما مطالب شعوبنا ومشاعرها ومصيرها فهي ليست معتبرة الا اذا كانت متناسبة مع ما يريدونه. من تماهى مع إرادتهم كان مرضياً عنه واعتبر معتدلاً، ومن خرج على إرادتهم اعتبر متطرفاً ومستحقاً للعقوبة. والعقوبة هي دائماً حرب أخرى، أو تهديد بالحرب. تستخدم الديمقراطية عندهم للحوار الدائم بشأن الحرب، هنا، أو هناك؛ يوضع شعبهم في حالة الاستعداد الدائمة للحرب. تهديد الآخرين بالحرب الدائمة يحقق لهم الأمن، ويسمون ذلك سلاماً؛ وينتهي الداعون للحرب أو المستجيبون لدعواتها، إلى استلام جوائز نوبل للسلام، منذ تيودور روزفلت في أوائل القرن العشرين حتى الآن؛ وكان هو على رأس الداعين لاختراع حرب ضدّ اسبانيا واحتلال كوبا، والفيليبين من قبل، كما جورج بوش الابن في العراق.
مُنِحَ اوباما جائزة السلام لا على الانجاز بل على أساس التوقعات؛ ليس بسبب ما حصل بل لما سوف يحصل، لما يراد منه ان يفعل وينجز. المطلوب من اوباما ان يفعل شيئاً ما، فأخجلوا تواضعه، وكافأوه على ما سوف يفعله. أحرجوه، ولا بدّ ان ينجز سلاماً حسب مشيئتهم.
نريد السلام؛ تريد شعوبنا السلام؛ تعبت من الحروب وأرهقت. نفهم ان يكون السلام وعياً مشتركاً لدى شعوب العالم. وندرك ان ذلك يحصل بالحوار الدائم، بالسياسة وتراكم التسويات. والتسويات تحتاج الى تنازلات من جميع الأطراف. قدّمنا التنازلات حتى لم يبق لدينا شيء نقدمه. وكانت المبادرة العربية في قمة بيروت العربية عام 2002، مسك الختام. لم يبق لدينا شيء نقدمه، ربما، الا سحب المبادرة ليكون لدينا شيء نفاوض عليه.
لكننا لا نستطيع فهم جائزة السلام المتزامنة مع منع الإمبراطورية للنقاش حول تقرير غولدستون في الأمم المتحدة، وذلك بعد ان عرّض نتنياهو اوباما للسخرية بالامتناع عن وقف المستوطنات. استجابت الامبراطورية لإسرائيل، بعد أن لم تستجب إسرائيل لاوباما. ثم جاءت الجائزة بمثابة القول ان هناك من يعطي ما يشاء ويسحب ما يشاء، حتى ولو تعلّق الأمر بالرئيس اوباما، أمير السلام في هذا العالم. خضع اوباما لما هو مطلوب منه، فاعتبر ذلك سلاماً، ومُنِح الجائزة، فازداد تواضعاً.
بعد ان يتواضع اوباما في إسرائيل، يصوّت الكونغرس على برنامجه الصحي. معروف ان الكونغرس الأميركي مجمع على دعم إسرائيل في جميع قراراتها ومواقفها وحروبها العدوانية. معروف ان الكونغرس الأميركي هو مجلس نواب إسرائيل في واشنطن. هو كذلك منذ وعد بلفور، وقد صوّت على إقرار هذا الوعد في عام 1923. البرنامج الصحي لاوباما هو حجر الزاوية لرئاسته ولحزبه ولبقائهما في السلطة بعد الانتخابات المقبلة. والحديث عن هذه الانتخابات بدأ لديهم منذ زمن. المهم أن الرئيس الأميركي لا يعطى في الداخل الا بمقدار ما يعطي هو في الخارج. يعطى في الخارج جائزة وفي الداخل سلطة، بمقدار ما تخضع هذه السلطة لمتطلبات إسرائيل. اذا كانت إسرائيل تعني لنا الحرب، فانها بالنسبة لهم السلام.
أسمع عند كتابة هذه السطور أصوات دعاة «النضـج» العربي يدعون للخروج من نظرية المؤامرة. بنــظرهم لـيس في الأمر مؤامرة علينــا؛ ليس هناك من يدير العالم انطلاقاً من غرفة سريّة في مكانٍ ما. انه تواطؤ التاريخ علينا، كما يقولون. يجدر بنا فقط ان نرى التخلف والجهل والمرض وما أصاب مجتمعنا نتيجة عصور الانحطاط والحكم العثماني الطويل. يتوجب علينا، في رأيهم، ان نرى الغابة ولا نرى الأشجار، ان نرى التاريخ ضدنا، وان لا نرى السياسات الدولية في تفاصيلها. طبعاً لا تحدث الأمور في العالم لان هناك من أراد أن يتآمر ويتواطأ. تحدث الأمور فقط عندما تكون لدى آخذي القرار القوة والقدرة العسكرية. والقدرة العسكرية لا توجد دون قيادة هرمية تنتهي عند شخص القائد.
تسلم اوباما قيادة العالم، بموجب انتخابات ديمقراطية، لأنه يتمتع بمواصفات معينة. وعليه الآن ان يضع هذه المواصفات قيد الاستخدام. حظي بشعبية واسعة وعليه الآن ان يستعملها. دون ذلك يقف الكونغرس بينه وبين أي قرار يتخذه. على القوة السياسية أن تتدعّم بالقوة العسكرية كي تكون فعالة. القوة العسكرية تحتاج الى نفقات. النفقات يقررها الكونغرس. الكونغرس بيد إسرائيل التي صارت هي ضمير الإمبراطورية. الكونغرس لا يرى ضيراً في توسع المستوطنات وطرد الشعب الفلسطيني واغتصاب الحقوق العربية.
هذا هو فحوى جائزة السلام. استجابت أوسلو للكونغرس الإمبراطوري. تحمل أوسلو معاني عدة. واحدة منها الاتفاقية الشهيرة؛ وأخرى الاستجابة لإمبراطورية تحكم العالم بالقوة. ويبقى السؤال: ما هو الحدّ الفاصل بين الكونغرس والبنتاغون.
email: alfadel.chalak@gmail.com
عن "السفير"
