شاهد على الحدث

single

في الـ 30 من آذار هذا الشهر يكون قد مرّ أربعون عامًا على أحداث يوم الأرض الخالد، الذي سطّره شعبنا بدم شهدائه الأبرار. وما زالت ذاكرتي تحتضن ما اختزنته من زخم تلك الأحداث وتداعياتها. وكأن الحدث كان بالأمس، ما زالت تلك الصور للجماهير وهي تندفع لطرد الجنود وكنس شرطة حرس الحدود الذين غزوا القرية عشية يوم الأرض في 29/3/1976، تدور في مخيلتي وخلدي، في شريط دائم الدوران، لا يفك ولا يتوقف وغير قابل للنسيان، واظبت عشية كل ذكرى ان اسطّر بعضًا من ذلك المخزون، من تلك المشاهد التي حدثت على مسرح ذلك اليوم العظيم، وكما في كل مرة وفي هذه الذكرى الماجدة ليوم الأرض، الذكرى الأربعين، أود المساهمة في نقل بعض المشاهد المثيرة للجيل الشاب الذي لم يعش تلك الأحداث وللكبار للتذكير، فذكر ان نفعت الذكرى، في زمن تتزاحم فيه الأقلام – والفضائيات، والصحف ووسائل الإعلام المختلفة، القريبة والبعيدة، جغرافيًا وسياسيًا، لطمس دور الحزب الريادي وتغييب دور الشبيبة الشيوعية التي تصدت مع جماهير الشباب بأجسادها في مواجهة مباشرة، مع جنود في الجيش الإسرائيلي والمجنزرات والقوى العاتية، وما يحدث اليوم من مواجهات في الضفة الغربية ورجم بالحجارة، في هذه الانتفاضة الشعبية، صورة تعيد نفسها لما حدث سنة 1976 في الـ 29-30 من آذار في تلك السنة.
وفي هذه المناسبة التاريخية العزيزة على كل الوطنيين الحقيقيين من شيوعيين وغيرهم – أود ان استذكر ثلاثة مشاهد من مآثر يوم الأرض الخالد:
المشهد الأول، وفي صبيحة يوم الـ 30 من آذار ومع بزوغ شمس ذلك اليوم الربيعي وحوالي الساعة السادسة كانت مكبرات الصوت منتشرة في الأحياء، تزعق كنعيق الغراب، تعلن منع التجوّل ومن يخالف يعرّض نفسه للموت وللخطر – وفي نفس الوقت تهادى لمسامعي صوت فرقعة القنابل، وصوت طلقات الرصاص، المنبعثة من الجهة الشمالية للقرية من حي الجلمة، فثارت حميتي الشيوعية واستعر حماسي الوطني فاندفعت مجازفًا، متحديًا قرار منع التجوّل بهدف كسره، وإفشاله، مع استذكار، قرار منع التجوّل في كفرقاسم 1956، وتداعياته بارتكاب جريمة نكراء، وحصد 48 شهيدًا، من فلاحي تلك البلدة. القرار الغاشم الذي فرضته السلطات العسكرية في ذلك الوقت.
ومع مروري من أمام بيت شقيقتي الرفيقة سهام محمد عاصلة بطاطا – اندفعت لتحول دون تقدمي، وردعي عن المجازفة، فلحق بها زوجها الرفيق محمد صالح عاصلة بطاطا – لنفس الغرض – ثم اندفع شقيقاه قاسم صالح عاصلة بطاطا، ومحمد صالح عاصلة بطاطا وأزواجهما ووالدتهم وجميع الجيران فأصبحنا ثلّة لا بأس بها – أقنعتهم بانه لن تجرؤ الفرق المنتشرة عن ارتكاب جريمة جديدة بعد اقترافها جريمة استشهاد الرفيق خير ياسين، فاندفعنا متحدين صراخ مكبرات الصوت، فجن جنونهم وازداد زعيقهم وعظم تهديدهم ووعيدهم، وواصلنا سيرنا من حي نصار فانضم العديد من الشباب إلينا، وكانت المواجهة الأولى مع وصولنا إلى ساحة دار المجلس المحلي باب ديوان القبو، فتصادمنا مع الجنود، فأمطرونا بوابل من الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، فردوا عليهم بقذفهم ورجمهم بالحجارة. لقد كانت الغلبة للشباب حيث يتقنون فن رجم الحجارة. فاندحر الجنود إلا واحدًا منهم ظن انه وجد فريسة فحاول اعتقالها هي الرفيقة سهام محمد عاصلة – سعدي فعاركته بالأيدي في ساحة بيت الحاج خالد حسين بكرية، عجم عودها فوجدها عصية وباءت محاولته بالفشل تركها وراح يهرول ليلحق بصحبه من الجنود المندحرين، لينال نصيبه من سواعد الشباب.

**
الحدث الثاني والمؤثر الذي انزرع، وانحفر في ذاكرتي ووجداني ولن أنساه، عندما انقضّ علي مجموعة من الجنود واخذوا ينكلون بي في حي الجلمة فاندفع عدد من بطلات يوم الأرض وخلصنني من تنكيلهم. ست من النساء إحداهن كانت تحمل "جلن" بنزين هددت بحرق سيارة الجيب، وبطلب مني رضخ الجنود الأربعة واستجابوا بان يقودوني إلى المجلس المحلي. فوجدت رئيس المجلس المحلي وكما حدثني معتقلا وزجوا به هناك، انقضّوا عليه من أمام بيته ولم يسعفه مركزه الاجتماعي رئيسًا لمجلس عرابة، فتتالت الاعتقالات وبلغ عددنا ثلاثة عشر معتقلا اذكر منهم الشاب محمود نمر نصار، وسعيد مصطفى نصار، وعمر احمد يونس نصار، ويوسف احمد دراوشة، وعلي سعود ياسين وغيرهم، في لحظة من تلك اللحظات وفي تلك الحالة دهمتني فكرة التمرّد فاستشرت الرئيس ثم بعض الشباب حول الفكرة فلاقت قبولا واستحسانًا. فتقدمت من الضابط وطلبت منه مغادرة دار المجلس ومن معه وإلا سيلاقي ما لا تحمد عقباه، وأدرك خطورة الوضع عندما التفّ وطوق كل أربعة شباب شرطيًا وهو احدهم. استسلم للطلب وانصاع، ففي الحال لملم حاجاته وغادر ومن معه من الجنود دار المجلس يجرون أذيال الخيبة وراءهم. فعمّت الفرحة وغمرت الشباب. غادرنا دار المجلس جميعًا، ليواصلوا المهمة للتصدي للفرق الغازية التي اقتحمت القرية بالمجنزرات.

**
الحدث الثالث، وحوالي الساعة الثانية عشرة ظهرًا وقعت فرقة من الجيش مؤللة بخمس مجنزرات في كمين في احد أزقة القرية في حي نصار، ضلّت الطريق – فاصطدمت بحاجز من الإطارات التي لم تستطع تجاوزها مع وابل من قذف الحجارة والزجاجات الحارقة – مما دفع قائد المنطقة الشمالية حينذاك الجنرال رفائيل ايتان – الذي كان يرابط في ارض المل  المهددة بالمصادرة  ليشرف بنفسه على عمليات الاعتداء - ان يتصل هاتفيًا مع رئيس المجلس المحلي يستدعيه للقاء عاجل. وسرعان ما حط بمروحيته في ارض البركة، حيث المدرسة الإعدادية والثانوية اليوم، في مدخل عرابة الشمالي حضر اللقاء الشيخ كايد نجار وسكرتير المجلس المحلي المرحوم مصطفى لهواني – وبعجرفة الجنرال العسكري هدد رئيس المجلس المحلي طالبًا منه العمل على فك حصار الفرقة العسكرية المحاصرة في الحال وإلا سيهدم عرابة، كان الوفد المفاوض جريئًا فاشترطوا عليه فك الحصار عن القرية، بأن تنسحب القوات الهائلة التي كانت تطوق وتحيط بالقرية وان يطلق سراح المعتقلين من الشباب، فأذعن الجنرال لطلب الوفد، عاد رئيس المجلس المحلي ودعا إلى جلسة طارئة لأعضاء المجلس المحلي حضر الجميع سواي، فعملوا على إقناع الشباب لإزالة الحواجز النارية المشتعلة بكثافة، عندها رافق أعضاء المجلس المحلي الفرقة المحاصرة حتى مدخل القرية – وفي الساعة الواحدة ظهرًا بدأ انسحاب الجيش واخلى الجنود مواقعهم وأطلق سراح المعتقلين – وهكذا انتصرت إرادة جماهير القرية على وسائل الظلم والقمع. وهكذا سجّل يوم الأرض وسطّر تاريخًا كان لرفاق الحزب الدور الفعال والريادي لصنع هذا التاريخ المجيد، ومهما حاول المتطاولون طمس دور الشيوعيين سيظل دورهم ساطعًا متألقًا رغم انف كل المتطاولين والحاقدين.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حكاية من بلدي: رحلة الى الجنة

featured

معارضة صارخة في خدمة الابتزاز السياسي !

featured

فلسطين في اليونسكو رغم أنف إسرائيل والولايات المتحدة

featured

المرض من الداخل

featured

الشيخ الطنطاوي والشيخ القرضاوي.. والشيخ جراح

featured

القس شحادة - ابو سمير

featured

كل حليف لواشنطن، حليفٌ للاحتلال الاسرائيلي!

featured

لمصلحة من الإنتقاص من دور الشيوعيين الفلسطينيين؟