يكشف الحادث الدموي المأساوي داخل فرع بنك "هبوعليم" في بئر السبع أمس، طبقات عديدة ومركبة لانعدام الأمن وللعنف المحتقن في المجتمع الاسرائيلي. فلم يكن إقدام احد سكان المدينة على قتل اربعة اشخاص والانتحار حادثًا عاديًا، ولكنه نتيجة لتفاقم ضائقة المجتمع الاسرائيلي، السياسية والاجتماعية-الاقتصادية، والأخلاقية أيضًا.
يجب الاشارة اولا الى ما كشفه الحادث مجددا من عنصرية مقيتة معشّشة لدى "مبلوري الرأي العام" في القناتين التلفزيونيتين التجاريتين، إذ أطلقت برامجهما الاخبارية حكمًا ناجزًا على القاتل زاعمة أنه "عربي من رهط" دون أيّ مبرّر أو دليل، وواصلت توجهها هذا النابع من الانغلاق العنصري، حتى عندما بدأت تتضح هوية الفاعل. إن سرعة اتهام العربي بالقتل هي كسرعة ضغط عسكر اسرائيل على زناد قتل الفلسطيني. هذه جريمة وتلك أيضًا!
الفاعل اقترف جريمته، كما تقدّر الشرطة، بدافع الانتقام من مسؤولين في فرع البنك لرفضهم منحه تسهيلات متعلقة بدينه للبنك. وهو ارتكب جريمته بسلاح مرخّص، فهو ضابط سابق في الجيش وفي ما يسمى "حرس الحدود" وعمل في شركات "أمن". هذه الحقائق تحمل مؤشرات على ما يتجاوز الحادث العينيّ.
للجريمة خلفية مركبة، في طرفها الأول ضائقة اقتصادية وصعوبة "إكمال الشهر" وهي مشكلة متفشية في البلاد، وفي الطرف الثاني هناك الانتشار الواسع والخطير للاسلحة، وما تنتجه من عنف ينفجر! وهكذا، فعلى الرغم من أن هذا الحادث فردي من حيث التنفيذ، إلا أن المسؤولية عنه لا تقتصر ولا تتلخص في مرتكب اطلاق النار، بل تصل الى المجتمع المحيط والسلطة الحاكمة.
دون أي تبرير لما حدث من قتل لأبرياء، فإن الضائقة الخانقة ترمي بحشود الناس الى هاوية اليأس والاحباط، هي بمسؤولية الحكومة ومن إنتاج الحكومة. ولا يفيد ما قاله رئيس الحكومة أمس من أن هذا الحادث نادر الوقوع في اسرائيل! لأن خلفية وقوعه لا تزال قائمة، بل تزداد تفاقمًا ونخشى أنها تنذر بالمزيد من المآسي.
كذلك، فإن انتشار الاسلحة النابع من العقلية والممارسة "الأمنية" وترك السلاح منتشرًا هو بمسؤولية الحكومة. ونشير الى وقوع العديد من جرائم القتل مؤخرًا بأسلحة حمل أصحابها ترخيصًا، من خلال عملهم في الشرطة وفي شركات "الأمن". المشكلة تكمن في البحث عن الأمن من منظار السلاح فقط، والذي يقود بالضرورة الى جرائم وحوادث دموية، بدل التفكير بمفاهيم الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. ولم نقل شيئًا بعد عن عقود الاحتلال البهيمي العنيف وما ينتجه!
إن هذا الحادث الدموي المأساوي يجب أن يشكل ضوءًا أحمر جديدا أمام الحكومة، والأهم أمام المجتمع الاسرائيلي الذي يتوجب عليه اعادة النظر في مفاهيم "الأمن" والاقتصاد والحياة المدنيّة إذا أراد حماية نفسه وحياته فعلاً.
