الحنين

single

عندما ننظر إلى الصُّور القديمة، خاصَّةً للأشخاص الذين نعرفهم ونحبُّهم ولهم في القلب حيِّزٌ كبيرٌ ومعزَّةٌ مُميَّزةٌ أو نرى صورًا للمناطق التي كنَّا نرتع ونلعبُ بها، وأكلَت نصيبَها من أقدامِنا وشربَت رحيقَ عرقنا وجروحنا ومرَّت دهورٌ، وما زالت تلك المناظر محفورة في ذاكرتنا، كما تُحفرُ في ذاكرة الفيل، راسخةً في الذِّهن غير قابلة للانتقاص..
نتذكَّرُ الأصدقاءَ والأحبَّاءَ الذين كنَّا نتسامرُ ونتشاورُ ونتحاورُ ونتشاجرُ معهُم وإن كانت "الطُّوشة" على أمورٍ تافهةٍ، إن نظَرنا إليها الآن بمنظارنا، أو بعد أن مرَّ على الحدث زمنٌ.
وإذا أردتَ البحث عن هؤلاء الاصدقاء في حيِّك، تجدُ أنَّ قلَّةً منهم بقيت فيه، وقسمًا منهم وجد بيتًا له، في حيٍّ آخر، بعد أن ضاق بيتُ أهلهِ بأهلِه الذي كاد يكفي العائلة الصَّغيرة، فكيف يكون الوضع حين يكبرُ أبناء العائلة، ويبدأ هو الآخر في بناء بيت لعائلته، وهذه من طبيعة الأمور، وتجدُ فئةً أخرى وجدت في الغُربةِ بيتَها، حيث لازمت عملها هناك وبنت عائلة فيه، لكنَّه وباعتقادي، لم ولن يشعرَ هذا المُغتربُ فيه بالأمان والطَّمأنينة، بعد أن خرج من جلده ووجد له جلدًا آخر يصعب عليه الدُّخول والولوج به أو التَّأقلم معه. وتجدهم بعد أن يُحالوا إلى التَّقاعد، يشدُّهم حنينُهم ويناديهم طالبًا منهم العودةَ والرُّجوعَ إلى أحضان أهلِه وحيِّه وبلده، أو تجد الواحد منهم يأتي مسقط رأسه، بوتيرة متلاحقة، كلَّما دبَّ الشَّوق واللوع به. وحين تقابله يبدأ بأسئلته عن ذلك الصَّديق أو الصَّديقة وعن ذلك الحيِّ كيف كان وكيف أصبح، "آه كيف تغيَّرت الأمور"..
عندما تنظر إلى الماضي، تنتبه إلى أمور تتداركُها في حاضرك، وتضعها زادًا على
خاصرتك تتسلَّح بها، وتنتبه أكثر لعدمِ تكرارِ ما كان من أخطاء، كما يقول الحديث الشَّريف: "لا يُلدغُ المؤمنُ من جحرٍ مرَّتين".
وما دعاني الى كتابة هذه الصَّباحيَّة، هو زيارة قام بها الصَّديق موريس الحلو، وفي
جعبته بعضُ الصُّورِ القديمةِ لحيفا، ومنها صورة لتلَّ السَّمك، حيث يظهر فيها مسبحُ إميل البوتاجي، وفيه تُبيِّن لنا ما قاله والدي لي عن هذا المسبح، وقصَّة الأعمدة  الحديديَّة الأربعة الموجودة في عمق شاطئ البحرِ، المتبقية من "غرفتين" صغيرتين كانتا على الأعمدة، يستعملها روَّاد ذلك الشَّاطئ المستحمِّين، في فترة ما قبل سقوط حيفا، حيث كانوا يُبدِّلون، في هاتين "الغرفتين" ملابسهم العاديَّة بأخرى للسِّباحة، وكانوا يقفزون من ذلك البرج، مباشرة، إلى اليَمِّ..
حين رأى والدي تلك الصُّورة فاضت ذاكرته وشدَّه حنينه "لأيَّام زمان"، كيف كانوا يأتون الشَّاطئ منذ الصَّباح الباكر مشيًا على الأقدام من حيِّ وادي النِّسناس إلى المسبح حيثُ كان وأترابه يقضون وقتهم في السِّباحة واللهو أيَّام العطلِ المدرسيَّة والأعياد.
ويحدِّثني عن غزارة الصَّيدِ هناك وكثرة الأصداف البحريَّة التي كانت تؤكل نيئةً بدون طهيٍ كالتُّوتياء والبطليمس والصَّدف البحري وحلزون البحر، وأذكر كيف كان والدي يقفز تحت الماء ويُفتِّشُ لنا عن الأصداف ويُطعِمنا أيَّاها، طازجةً، من البحرِ إلى الفمِ.
لنا على هذه الأرض ماضٍ وحاضرٌ ومستقبلٌ..

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

سلمان الناطور .. ستون عاماً من العمر والذاكرة

featured

"الغوطة" ودموع الكذب الأمريكية!

featured

يصرون على سياسة تؤمن السير نحو الكوارث

featured

أحلام السّراب..

featured

أطفال اليرموك وحتمية العمل الانساني

featured

أداة أمريكا: مبادرة الشراكة الشرق أوسطية

featured

المبادئ الاشتراكية تضمن جمالية انسانية الانسان