التغيير حصل، وانتهى الأمر..

single

الثورة المصرية، حدث بمستوى تاريخي. سيكون لها تأثير بالغ على العالم العربي

*نظام مبارك مات، وشهادة وفاته ستصدر برحيله القريب جدا. ما تبقى هو انتظار شكل النظام المقبل. ربما سيبقى بعض رموز النظام يشاركون في الحكم المقبل. لكن التغيير حصل، وانتهى الأمر. وما تحقق حتى الآن هائل وعظيم*

الغرب لا يكترث بتاتا بأي نظام عربي، لأن جميع هذه الأنظمة إما أنها خادمة للمصالح الغربية أو، في حالة واحدة فقط هي سورية، تسعى إلى تعزيز العلاقات مع الغرب. لكن الغرب يحترم قوة الجماهير، خصوصا عندما تنزل إلى الشارع احتجاجا. وهذا احترام نابع من الخوف من هذه الجماهير

كل عشرة أعوام يقع حدث يترك تأثيرا على العالم لفترة معينة. هذا ما حدث قبل عشرة أعوام عندما وقعت هجمات نيويورك، وأصبح "التاريخ" بعدها مقسمًا إلى ما قبل 11/9 وما بعده. بعد 11/9 تزايدت عدوانية وشراسة أميركا التي غزت العراق وأفغانستان والشرق العربي عموما. وقبل ذلك بعشرة أعوام تقريبا، انهار الاتحاد السوفييتي وتغيّر وجه العالم، ما سمح للغرب، وعلى رأسه أميركا، بزيادة عدوانيته وإمبرياليته الجديدة. والآن جاءت الثورة الشعبية المصرية، التي أطاحت بالنظام المصري وأسقطت رئيسه، حسني مبارك، سواء رحل هذا الأسبوع أو بعد وقت قصير. وسبقتها بأسابيع قليلة الثورة التونسية التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي.
ويبدو أنه سيكون للثورة المصرية الجديدة تأثير بالغ على العالم العربي. وليس المقصود أن التغيير الحاصل في مصر سيطال جميع الدول العربية. فعلى الأقل لا يتوقع تغيّر الأنظمة في دول الخليج، الآن. والآراء مختلفة حول مدى تأثير صدى الثورتين التونسية والمصرية على دول عربية أخرى. لكن ما بات محل إجماع هو أن الحكام العرب بدؤوا بإجراء حسابات تختلف عن الماضي. فقد سارع الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، إلى الإعلان عن أنه لن يرشح نفسه لولاية رئاسية أخرى. وملك الأردن عبد الله الثاني حل الحكومة وعين أخرى، وراح يزور قرى تعيش في حالة بؤس. والرئيس السوري، بشار الأسد، اعتبر أن ما حدث في تونس ومصر لن يمتد إلى سورية، بينما يدعو معارضون إلى تسيير مظاهرات. والجزائر في حالة غليان.
وما يمكن استخلاصه من هذا الوضع هو أن العالم العربي مقدم على تغيّر. تغيّر الأنظمة والجماهير في آن واحد. وبعد هذه التطورات لا يمكن القول إن العرب ما زالوا في حالة خمول حيال أوضاعهم البائسة والمزرية على جميع الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وربما حتى العسكرية. وربما هذا التغيير سيستغرق وقتا ولن يحدث خلال وقت قصير، لكن شرارة التغيير اشتعلت. وعلى ما يبدو فإن ثمة تغيّر آخر، أوسع نطاقا، حاصل في أعقاب الثورتين التونسية والمصرية، وهو انتزاعهما إعجاب الغرب من جهة، وتخلي الغرب، بسرعة قياسية، عن النظامين اللذين قدما له خدمات كبيرة للغاية من الجهة الأخرى. ولا شك في أن باقي الأنظمة العربية، وغالبيتها الساحقة قدمت خدمات "جليلة" للغرب هي الأخرى، أصبحت تتوجس على أثر ذلك من السيد في البيت الأبيض. ومن هنا، فإنه لا بد للأنظمة العربية، التي ستبقى، أن تبحث عن سياسات جديدة، تُرضي من خلالها جماهيرها.
وهذا هو تماما تأثير الثورتين التونسية والمصرية، وخصوصا المصرية، على التعامل مع إسرائيل. وينبغي التأكيد في هذا السياق على أنه فيما يتعلق بالإستراتيجيات الإقليمية فإن حكام إسرائيل لا يختلفون عن الحكام العرب، وإنما هم في خندق واحد معهم ضد الجماهير في العالم العربي. ولذلك فإن تخوّف حكام إسرائيل من تداعيات الثورتين التونسية المصرية، وتواترهما، لا يقل عن تخوف الحكام العرب من الثورة، التي من شأنها أن تقلب حساباتهم ومخططاتهم. لكن رغم ذلك فإنه من السابق لأوانه الحكم على مجرى الأحداث في المستقبل، خصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي ما زالت تعاني من "عملية سياسية" لانهائية.
كذلك لم يهمل تأثير الثورتين الدول الغربية، بمن فيها الولايات المتحدة. هذه الدول معادية للمصالح العربية، من ناحية الاستقلالية السياسية والتطور الاقتصادي والاجتماعي والأمني. والغرب لا يكترث بتاتا بأي نظام عربي، لأن جميع هذه الأنظمة إما أنها خادمة للمصالح الغربية أو، في حالة واحدة فقط هي سورية، تسعى إلى تعزيز العلاقات مع الغرب. لكن الغرب يحترم قوة الجماهير، خصوصا عندما تنزل إلى الشارع احتجاجا. وهذا احترام نابع من الخوف من هذه الجماهير. ويرى الغرب نفسه مضطرا إلى التعامل مع احتجاج الجماهير لتبرير وجوده كأنظمة ديمقراطية، على عكس الأنظمة الديكتاتورية، وبسبب وجود حيز واسع، نسبيا، من الحريات والإعلام.
هذا الحيز صغير للغاية في العالم العربي. فالحريات فيه مسلوبة. واطلعنا خلال الثورتين على ما يعرفه جميعنا، وهو أنه في العالم العربي من المحيط إلى الخليج لا يوجد سوى وسيلتين إعلاميتين قادرتين على تغطية أحداث بهذا الحجم، هما "الجزيرة" و"العربية". لكن الأولى تبالغ بالانحياز إلى جانب المحتجين، وهذا ليس حكيما في العمل الإعلامي وبالذات لمن يرفع شعار "الرأي والرأي الآخر". والثانية تبالغ بالموضوعية، إلى حد اتهامها من قبل البعض بأنها منحازة للأنظمة، وهو اتهام فيه غبن تجاه "العربية" في حالة الثورة المصرية. أما إعلام الدول العربية فكان بائسا كعادته. بل أن بعض قنوات هذه الأنظمة، سواء كانت كيانات مستقلة أو غير مستقلة، لم تخجل من بدء نشرات الأخبار، خلال الأسبوع الأخير، بأخبار محلية وتأخير أخبار الثورة المصرية. ويأتي ذلك في موازاة منع التظاهرات المتضامنة مع الشارع المصري، والسماح في المقابل بتسيير مظاهرات تدعو إلى الاستقرار و"الانتقال السلس للسلطة" في مصر وهي مظاهرات ضد احتجاج الشعب المصري ومؤيدة لنظام مبارك.
يمكن أن يرى الكثيرون في قمع الأنظمة العربية لحرية جماهيرها وإعلامها أنه ضرب من الغباء السياسي. لكنه في الواقع يعبر عن أمل في بقاء النظام المصري وأن يخمد ثورة الشارع. وهذا لن يحدث. نظام مبارك مات، وشهادة وفاته ستصدر برحيله القريب جدا. وما تبقى هو انتظار شكل النظام المقبل. فإذا قام في مصر نظام خال من رموز النظام القديم، وتشكلت أحزاب جديدة تخرج من رحم الثورة، تتبنى الديمقراطية والحريات ومصلحة الشعب، فإن "حجارة الدومينو" ستنتقل من ميدان التحرير في القاهرة إلى ميادين عواصم عربية أخرى لتتدحرج فيها. وربما سيبقى بعض رموز النظام يشاركون في الحكم المقبل. لكن التغيير حصل، وانتهى الأمر. وما تحقق حتى الآن هائل وعظيم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

67 عامًا على نكبة 48 و48 عامًا على هزيمة 67

featured

محنة الحرية في تاريخنا

featured

بين اللاعنف والعنف

featured

نقسم بشرف الأمة أنك مظلومة ولكن...

featured

رسالة الفصح إلى غزة

featured

حيفا تنطلق خارج الأسوار

featured

- جدري الماء – (2-2)