(ترجمة: أمين خير الدين)
"قادوا خالدة إلى المعتقل، اعتقال ليلي في قلب المنطقة A الواقعة تحت سيطرة الأمن الفلسطيني، حصانة برلمانية تُداس بلا موانع، واعتقال بلا مُحاكمة"!!!
قبل ثلاثة أسابع اقتحمت قوّة من جيش الاحتلال الإسرائيلي في منتصف الليل بيت عضوة البرلمان خالده جرار في رام الله. وقد اعْتُقِلَتْ إداريا لمُدّة نصف سنة.
قبل ثلاثة أسابيع استيقظت عضوة البرلمان الفلسطيني خالدة جرّار الساعة الرابعة والربع قبل الفجر، على دقات صاخبة على الباب الحديدي للمنزل. أيقظت زوجها، غسّان، الذي قفز من السرير بلباسه الداخلي وطلب من الجنود بواسطة جهاز الإنتركوم [الاتصال الداخلي] ألاّ يفجّروا الباب كما فعلوا في الاعتقال السابق. بعد ذلك أسرع في النزول للباب فشاهد من خلال عتمة الليل طابورا من الجنود يصوِّبون بنادقهم نحوه. يقول إنّ عددهم بين 30 -35 جنديا، بعضهم كان مُقنّعا، دخلوا البيت. وقالوا له "نريد زوجتك".
أراد أن يصعد حيث زوجته لكنّ الجنود أدخلوه إلى الصالون لإبعاده. فهم أمر الإبعاد الذي أُعْطي بالعبريّة – يتذكره من أيّام العزل حين كان في السجن. أمره الجنود بالجلوس على الكنبة الشبيهة بالجلد والتي نجلس عليها الآن، لكنه رفض. يخاف على ابنته سُهى، والتي نامت قبل قليل فغاصت بنومها. طلب من عنصر المخابرات "كابتن حُسام" والذي يقود عملية الاعتقال الليلي هذه، أن يتصرف الجنود بدون عنْف، وقد وافق.
بعد ذلك رَوَتْ سُهى لأبيها كيف استيقظت على مشهد جنديات مسلّحات يقفن بجانب سريرها ويصوّبْن سلاحهن عليها. سمع صراخها من الغرفة المجاورة. حاولت الجنديات إسكاتها بالقوّة فوثب من مكانه، إلاّ أنّ الجنود سدّوا عليه طريقه. حاولت أن تصوّر بواسطة محمولها، فحاولن خطف الجهاز منها. دخل عدد من الجنود لغرفتها وقبض أحدهم على عنقها من الخلف وضربها على رأسها وعلى جسمها، هذا ما رَوَتْه لأبيها. بعد ذلك قيّدوا يديها خلف ظهرها. "كيف تستطيعون النوم في الليل؟" سألت إحدى الجنديّات بالإنجليزيّة فأجابت الجندية، حسب أقوالها، "عندما نعتقل مُخرّبة مثل أمّكِ، ننام جيدا في الليل".
طلبت سُهى ماء، فرفضن فكَّ القَيْد عن يديها وحاولن إسقاءها بأيديهن. بصقت سُهى الماء على وجوههنّ فضربوها. فتّش الجنود المنزل وصادروا الأقراص الصلبة للحواسيب الستّة الموجودة في المنزل. حاول الجنود الانصراف قبل بزوغ الفجر، استمرّ وجودهم في المنزل نصف ساعة، حتى قادوا خالدة إلى المعتقل، اعتقال ليلي في قلب المنطقة A الواقعة تحت سيطرة الأمن الفلسطيني، حصانة برلمانية تُداس بلا موانع، واعتقال بلا مُحاكمة.
استطاع غسّان أن يحضن زوجته للحظة ويشجّعها ويرفع من معنوياتها قبل أن يقودوها للمعتقل، لكنه لم يرها عند خروجها. سمحوا لسُهى بفك القيود البلاستيكية عن يديها فرمتها في وجوههم. يحتفظ غسّان بالقيود للذكرى. يقول أنّ وجه ابنته كان أحمر ورأسها كان مُغطًى. بعد ذلك وقفت سُهى على شرفة البيت المُطلّة على الجنود الذين قادوا أمّها وصرخت عليهم بصوت مبحوح: "أمّي، أمّي".
يقول أبوها، استمرّ بكاؤها حوالي نصف ساعة، بعد انصراف الجنود، وهو يحاول تهدئتها: "لا تسمحي لهم بكسر معنويّاتنا، هذا بالضبط ما يريدونه. لا تسمحي لهم، دعينا نفكّر كيف يمكننا مساعدتها".
صرح الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي فقال إنه "عند اعتقال خالدة جرّار لم يُمارس عُنْف مع مَنْ كان حاضرا. كان رد فعل ابنة خالدة جرّار عنيفا مع القوّة العسكريّة لذلك اضطرّت الجنديات إلى تقييد يديها خلال عملية الاعتقال فقط".
بعد مضي قليل من الزمن قرّر القاضي العسكري في المنطقة اعتقالها إداريا لمُدّة نصف سنة، بدون مُحاكمة، وبدون تُهْمة. لم تكن المرّة الأولى لغسّان. في أوائل نيسان 2015 اختُطِفَت بصورة مشابهة. عندئذ كانت سُهى في بيتها في أوتوا في كندا، وعندما رنّ الهاتف في بيتها ذهِلَتْ: كان ليلا في رام الله وظنّت أنّ أمها قد اعْتُقِلَت أو أن هِرّتَها قد ماتت، "أعتقلوا أمّكِ" ، فال لها أبوها. هكذا بدأت الـ 15 شهر اعتقال لعضوة البرلمان الفلسطيني خالده جرّار، وقد أُدينت باثني عشر بندا سخيفا أشدها خطرا زيارتها لبيت عزاء واشتراكها في معرض كُتُبٍ.
**مع البابا
في اعتقالها الأوّل حاولوا فرض اعتقال إداري عليها، وربّما بفضل الاحتجاج الدولي اضطرّ جهاز القضاء العسكري تقديمها للمحاكمة بناء على لائحة اتّهام معظم بنودها مفبركة. حكِم عليها بالسجن -15 شهرا. الآن خالده جرّار، مشَرِّعة انتُخِبت بانتخابات ديمقراطيّة لتمثّل شعبها، مرة ثانية هي مسجونة في سجن إسرائيلي، رغم الاحتجاجات الدوليّة التي رافقت سَجْنِها السابق، وقد كان سَجْنُها سياسيّا كَسَجْنِها الحالي لم يُثِر أيّ احتجاج في إسرائيل أو أية مظاهر تضامن من جانب أعضاء كنيست يهود. هنا مشغولون بأمور أخرى.
مرّة أُخرى اتصلوا من بيت جرّار بكندا، هذه المرّة مع يافا، وأخبروها: "اعتقلوا أُمكِ"، نُقِلت سُهى للفحوصات في المستشفى، لأنه كان على جسدها آثار لَكَمات، واكتشف غسّان أنه فقد الأقراص المتعلقة بأعماله.
القِطّ حيٌّ وخالدة جرّار في سجن الشارون. عَجوي قِطٌّ أشْقر جُزّتْ فروته ليبدو كالأسد، ما يسبغ عليه مَظْهرا مُخْتلفا نوعا ما. بستان الأشجار المُثمرة الواقع عند مدخل البيت الجميل والواقع عند مُلتقى الشارعين سالم زعرور وتشيلي يبدو مُعْتَنى به، رغم غياب جرّار منذ ثلاثة أسابيع. المُقاطعة، مقرّ الرئاسة، تطلّ من الشبّاك على بعْد مئات الأمتار. على الخزانة في صالون الطابق الثاني من بيت الحجر، صورة جرّار وقد كُتِب تحتها بالإنجليزية "حريّة"، وصورة سُهى وهي تُقدّم علم فلسطين للبابا فرانسيسكوس.
توقّف عنصر المخابرات المُسمّى كابتن حُسام عند الصورة وطلب من أحد الجنود أن يلتقط له صورة. اسْتُقْبِلت سهى لدى قداسة البابا في إطار فعاليات من أجل البيئة. ابنة 26 سنة، تنهي الآن تعليمها لتنال اللقب الثاني في علوم البيئة، تعمل في منظمة حقوق الإنسان "حق" وقد عادت لتُقيم في بيت والديها. أختها الكبرى يافا، ابنة 30 سنة، بقيت في كندا، تزوّجت من مواطن كندي ستنهي تعليمها للحصول على دكتوراه في الحقوق، أبوهما غسّان، يواصل عمله كمدير لمصنع متنوّع الألوان لألعاب الفِراء بالقرب من نابلس، ويشارك زوجته بنضالها من أجل الحريّة، هذه العائلة ممزّقة مرة أخرى.
أُطْلِق سراح خالدة جرار في حزيران من السنة الماضية، بعد أن أمضت عقوبتها. تاريخ تحريرها هو كلمة السرّ لتشغيل محمول زوجها غسّان. خلال الـ 13 شهرا التي كانت بها حُرّةً عملت جرّار في مكتبها البرلماني الموجود قريبا من بيتها، تلقت طلبات من المواطنين وعالجتها. يقول غسان أنها استقبلت عشرات المواطنين يوميّا ووازنت عملها "بميزان من ذهب"، كي لا تتورّط مرّة ثانية مع سلطات الاحتلال.
تُعرَف جرار كناشطة لحقوق الإنسان ومؤيدة للحركات النسوية. يجيب غسان على السؤال ماذا عملت في شهور حريّتها: "هل هذا مهمّ؟ أقتبسُ كلامَ المدّعي العام العسكري في المحكمة العسكريّة بعد أن مَثُلت أمامها بعد مرور 96 ساعة. طلب المدّعي العام تمديد توقيفها ثمانية أيّام أخرى. أعطاه القاضي ستة أيّام. وعندما انتهت الأيام الستّة قال المدّعي العام للمحكمة لم يجد شيئا ضدّها وطلب 72 ساعة أخرى كي يُصْدر ضدها أمر اعتقال إداريّ". وهذا ما كان. حتى السجن المشروط ضدها لم يستخدموه، وعلى ما يبدو لعدم توفّر بيّنة ضدّها.
لم يُغادر غسّان الضفة الغربيّة أبدا. لأن إسرائيل لم تسمح له بذلك، "سجين صهيون"، اعتُقِل وسُجِن 14 مرة، منذ كان عمره 15 سنة، الآن هو ابن 58 سنة، وخالدة ابنة 54 سنة، سافرت مرّة واحدة سنة 1988، لمؤتمر حقوق الإنسان في قصر الإليزيه في باريس ولم يُسْمح لها بعد ذلك بالسفر خلف البحر.
عندما مرضت سنة 2010 واحتاجت لتكنولوجيا طبيّة غير متوفرة في الضفة الغربيّة، سمحت لها إسرائيل بالسفر إلى عمّان، وذلك بعد تدخّل جهات إسرائيليّة ودوليّة.
تتوافق مبادئها مع مبادئ الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، لكنّها رسميّا ليست عُضْوة بأيّ تنظيم. عُيِنت قبل شهور عضوة في اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير الفلسطينيّة، الهيئة العُليا للمنظمة، وعدد أعضائها 15 عضوا.
** بسبب التسريب
هل توقّعتم حدوث ذلك؟ سألتُ غسّان، وكان جوابه مفاجئا: "بعد تسريب بروتوكول جلسة اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير الفلسطينيّة في 4 حزيران للشبكات الاجتماعيّة، توقّعتُ حدوث أمْرٍ سيّء لخالدة، ولكني لم أتوقع اعتقال الإسرائيليين لها".
مساء يوم 4 حزيران عُقِدت جلسة متواصلة للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الرئيس، محمود عبّاس (ابو مازن). وحسب التقارير، كان مزاج الرئيس متعكِّرا، كانت خالدة المتكلمة الثالثة في الجلسة، بعد أن أنهى عبّاس كلمته الطويلة.
انتقدت جرّار اللجنة التنفيذيّة لعدم انعقادها قبل شهور، لبحث موضوع ما سمّته عدم توفر دَعْم كافٍ من أبي مازن بأوج الإضراب عن الطعام الذي نفّذه ألأسرى، وعن تصرفاته بالنسبة لحصار غزّة وأزمة الكهرباء. عادت خالده في نفس اليوم إلى البيت مُنْهكة. لم تقل شيئا لغسّان، ولكن بعد تسريب البروتوكول، يقول إنه بدأ يقلق لمصيرها.
صرح الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي هذا الأسبوع لجريدة "هآرتس" إنّ أمر الاعتقال الإداري قد صدر "بالاعتماد على معلومات سرّيّة تشير إلى أنّ جرار نشيطة كبيرة في الجبهة الشعبيّة التي تشكّل خطرا على أمن المنطقة في يهودا والسامرة". وقد صدر الأمر، كما يقول الناطق العسكري، "كوقاء أخير، بعد أن تعذّر إيجاد وسيلة أخرى لمنع الخطر الناجم عنها". ولم ينفّذ الحبس المشروط لأنه "يمكن تنفيذه في حالة إجراء جنائي، بينما بالنسبة لها لقد صدر أمر بالاعتقال الإداري".
استطاع غسّان خلال مدّة سَجْنِها السابق من الحصول على مصادقة لزيارتها مرتيْن خلال 15 شهرا. الآن بدأ يعمل من خلال منظمة الصليب الأحمر العالمية للحصول على تصريح له، ولابنته ولأخوات زوجته. يخشى ألاّ ينتهي اعتقالها بنهاية الأشهر الستّة، ويخشى أن يُمَدّد. عادة لا تُعلن السلطات عن نواياها بتمديد الاعتقال الإداري وعلى ما يبدو يمكن أن يُمدّد إلى ما لا نهاية.
خالدة جرار بنفسها قالت لغسان وهي في المحكمة إنّها تخشى ألاّ يُطْلق سراحها بعد مرور نصف سنة. وقد استطاع أن يسألها إن كانت تتناول أدويتها وإن كانوا يُجْرون لها فحص الدّم بشكل مُنْتَظم. جرّار، امرأة قويّة ومؤثّرة، أجابته بنعم وألاّ يقلق عليها. لكنها تقول له ذلك دائما.
(عن هآرتس)
