لم يتحرك العالم، مندداً وشاجباً سياسة اسرائيل الاستيطانية التوسعية الاستعمارية وخاصة في القدس، بما في ذلك الولايات المتحدة، بسبب عدالة الموقف الفلسطيني فحسب، فالموقف الفلسطيني ومطالباته المتواصلة الملحة، بوقف الاستيطان ورفض التمدد السرطاني للمستوطنين في قلب فلسطين والقدس، لم يكن وليد اللحظة والشهر والعام الجاري، بل هو متواصل منذ عمر الاحتلال نفسه، قبل اتفاق اوسلو 1993، ومن بعده، وقبل مفاوضات كامب ديفيد 2000 وخلالها وبعدها، وخلال مباحثات آنابوليس 2007-2008 وما بعدها، وبعد مجيء نتنياهو ولا يزال، والموقف الفلسطيني لا يتوقف ولا يصمت ولا يتردد، مطالبا بوقف الاستيطان، مستنداً في ذلك لشرعية المطالب الحقوقية المسنودة بقرارات الأمم المتحدة.
اذا ليس جديداً، المطلب الفلسطيني بوقف الاستيطان المدمر لهوية الأرض والشجر والبشر، وتغيير المعالم، ونسف فرص التسوية واغلاق منافذ التعايش ما يحول دون التوصل لحلول واقعية لقضايا الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، عبر تقاسم فلسطين بين الشعبين، طالما يتعذر تقاسمهما السلطة على أساس الدولة الواحدة ثنائية القومية متعددة الديانات على كامل أرض فلسطين التاريخية والطبيعية، باعتبارها مكان الصراع وعنوانه.
الجديد هو في شكل الدبلوماسية الذكية التي يقودها محمود عباس فلسطينياً وعربياً ودولياً، حيث أدى تأثيرها ونتائجها الى هذا الاصطفاف الدولي غير المسبوق في إسناد المطلب الفلسطيني، وفي شجب واستنكار ورفض التوسع الاسرائيلي غير الشرعي وغير الاخلاقي، بقيادة نتنياهو وحزبه وائتلافه.
رفض أبو مازن المفاوضات المباشرة مع حكومة نتنياهو الا اذا أوقف الاستيطان، والانتقال إلى قبول المفاوضات غير المباشرة على الطريقة السورية الاسرائيلية برعاية تركية، والمفاوضات الحمساوية الاسرائيلية برعاية مصرية بخصوص التوصل الى تهدئة وتبادل الأسرى، وتم وضع صيغة المفاوضات غير المباشرة مقرونة بوقف جزئي للاستيطان، واشترط أبو مازن قراراً عربيا من قبل لجنة المتابعة لقبول المفاوضات غير المباشرة، ولما قال له العرب ندعمك أجاب: لا نريد الدعم، نريد قراركم معنا بقبول المفاوضات المباشرة، وهكذا بات العرب معه في الفلقة سوية لقبول المفاوضات غير المباشرة استجابة للمبادرة الاميركية، ولما خرق الاسرائيليون صيغة التفاهمات مع الاميركيين تراجع العرب ومعهم أبو مازن عن قبول المطلب الاميركي بالمفاوضات غير المباشرة، إلا اذا أذعن نتنياهو بوقف الاستيطان.
قرار حكومة نتنياهو، والرفض الفلسطيني العربي أربك واشنطن وأحرجها، ما دفع الوزيرة كلينتون الى الانتقاد العلني لسياسة نتنياهو واجراءاته الاستيطانية، وقد وفر ذلك مظلة لاتساع التنديد الدولي باسرائيل وخاصة من قبل أصدقاء الولايات المتحدة التقليديين، وخلق جبهة عالمية مؤيدة للفلسطينيين ورافضة للاسرائيليين، ولم يكن ذلك ليتم لسواد عيون أبو مازن أو مجاملة له، بقدر ما كان ذلك استجابة لحسن إدارته للصراع وخطواته الهادئة المتزنة التراكمية التي وسعت من شبكة وجبهة أصدقاء الشعب العربي الفلسطيني، على حساب اسرائيل ونفوذها التقليدي في اوروبا وأميركا حتى استراليا.
لا أحد ينكر التفوق الاسرائيلي عسكريا وسياسيا واقتصاديا وتكنولوجيا واستخباريا، مقابل الامكانات المتواضعة التي يملكها الشعب الفلسطيني، ولكن لا يستطيع احد ان ينكر ايضاً عدالة الحقوق الفلسطينية وشرعية مطالبها، وقيام اسرائيل على انقاض حقوق الفلسطينيين وأرضهم.
الاسرائيليون يملكون القوة والنفوذ، والفلسطينيون يملكون العدالة والسياسة الواقعية المرنة لاستعادة حقوقهم بشكل تدريجي متعدد المراحل، ومنهج القيادة الفلسطينية هذا، يقدم للشعب الفلسطيني حماية لصموده على أرضه والعمل على استعادة حقوقه الثابتة غير القابلة للتصرف أو التبديد أو التلاشي.
كما كسب الشعب الفلسطيني في تقرير غولدستون، كسب في معركة وقف الاستيطان، ومثلما حقق انجازات هائلة في انتفاضته المدنية الاولى العام 1987 بانتزاع الاعتراف الاميركي الاسرائيلي بالشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير وبحقوقه السياسية، يستطيع عبر احتجاجاته الجماهيرية المدنية ذات الطابع الحضاري السلمي، هزيمة الاحتلال أخلاقيا وإقرار حدود دولته المنشودة في حدود الاراضي المحتلة العام 1967 بما فيها القدس.
النضال الفلسطيني عمل تراكمي يقوم على المبادئ الثلاثة المتمثلة أولاً بعدالة الحقوق الفلسطينية والحفاظ عليها وصيانتها. وثانيا سياسة واقعية مرنة ومتواصلة تستهدف كسب الاصدقاء وتوسيع شبكة العلاقات وخاصة لدى الرأي العام الاسرائيلي واختراقه وكسب انحيازات من بين صفوفه لعدالة المطالب الفلسطينية.
وثالثاً: أدوات كفاحية خلاقة من قبل الجمهور الفلسطيني، تدفعه نحو العمل والأمل وليس نحو الانتحار واليأس.
الشعب الفلسطيني لا يملك الامكانات البشرية والمادية لتوجيه ضربة أو ضربات لاسرائيل، ولا يملك الحد الأدنى من قدرات هزيمتها عسكرياً أو عبر خنادق المواجهة، ولكنه يملك العدالة والقانون والحكمة والاتزان لهزيمة اسرائيل أخلاقياً أمام المجتمع الدولي ويجعلها منبوذة معزولة كما سبق وحصل لجنوب افريقيا العنصرية، فهل يتفق الفلسطينيون جميعا على هذا الهدف المرجو؟؟
