تشكل الأضلاع الثلاثة، السلطة المحلية والمواطن والسلطة المركزية، معًا المثلث الذي ترتكز عليه أسس المجتمع والحكم والعلاقة الجدلية بين المواطن والسلطة المركزية وبشكل هرمي ولكن تتغير في نمط حياتنا نحن الجماهير العربية في إسرائيل. إذ تتعمد الحكومة ووزارة الداخلية المسؤولة المباشرة عن الحكم المحلي ومنها مجالسنا وبلدياتنا المحلية، إلى ضرب ضلعين من أضلاع هذا المثلث، وهي السلطة المحلية أو البلدية عن طريق تقليص الميزانيات بالأساس، الميزانيات ذات الشأن التطويري المتعلقة بالنهوض بالقرية وسكانها في شتى المجالات. كذلك ضرب مستوى الخدمات المقدمة في مجالات التربية والتعليم والصحة والبنى التحتية مما يشكل عائقا أساسيا أمام السكان والسلطة المحلية في خلق تربة وأرضية ترتكز عليها للانطلاق في بناء مجتمع متطور قادر على الحركة والعطاء.
هذه السياسة تهدف إلى الحد من تطور المجتمع العربي وخلق وايجاد الصعوبات وإلقاء الأعباء وما يترتب من تبعات هذه السياسة على كاهل المواطن العربي والناخب وتحميل المسؤولية إلى رؤساء وإدارات المجالس والبلديات بهدف إظهارها وإفشالها أمام الناخب والمجتمع، وأحيانا كثيرة يجري بالتنسيق أو بمشاركة قوى المعارضة إذا كانت أغلبية في عرقلة اتخاذ قرارات بهدف شل قدرة رئيس السلطة المحلية على العمل. على سبيل المثال في أحيان كثيرة لا يستطيع رئيس السلطة المحلية تمرير الميزانية والسبب يعود إلى طبيعة هذه الميزانية التي تعاني من نواقص كبيرة ولا تسد الحاجة في طبيعة بنودها لمتطلبات السكان وتطورهم في النهوض بما يتلائم مع متطلبات روح العصر. وفي أحيان كثيرة تشكل المعارضة الجسم المانع والمدعوم من وزارة الداخلية وموظفيها وباسم الديمقراطية والأغلبية يجري عرقلة عمل هذا الرئيس أو ذاك لأنه لا يتعاون أو يتماشى مع سياسة الحكومة ووزارة الداخلية أو حاكم المنطقة المعينة فيما يخص قضية الأراضي ومناطق النفوذ والمصادرة التعسفية في سرقة آلاف الدونمات من الأرض لصالح منظمة الكيرن كييمت، كما يجري حرمان الأهالي منها، والمعركة الحالية على احتياط الأرض في النقب ومخطط برافر الاقتلاعي العنصري بسلب العرب أكثر من 80 ألف دونم وتشريد آلاف من أصحابها الشرعيين.
تسعى وزارة الداخلية إلى حل السلطة المحلية العربية فيما تختار بين إبقاء الرئيس في منصبه أو الذهاب إلى لجنة معينة، هذا يأتي من منطلق مصالحها هي ومدى ارتباط هذا الرئيس أو ذاك بها وبتنفيذ سياستها التي هي أوامر، ما على الرئيس المعين سوى تنفيذها في حين نجد الارتياح في بعض الأوساط في القرية، ونجد من يبتهج ويطبل لهذه السياسة والتي تكون في اغلب الحالات مدخلا إلى التغلغل داخل المجتمع ومعرفة مواطن الضعف فيه وطبيعة القوى الفاعلة عائليا وسياسيا وكذلك الخصوم والمتعاونين من القوى الساعية إلى الكفاح المنظم وتحميل المسؤولية لسياسة الحكومة ووزارة الداخلية بصفتها المسؤولة عن الحكم المحلي، وهي أول من يغذي النعرات العائلية والطائفية والفئوية بهدف ضرب المجتمع العربي، كي يتسنى لها تمرير ما يحلو لها من برامج وأفكار وخطط وعلى رأسها مخطط الخدمة المدنية والعسكرية وتشجيع انخراط الشباب العربي طائفيا في الخدمة العسكرية. وهذا معناه الحرفي الحرمان من الحق في العمل والتعليم وسلخ الشباب العربي من محيطهم العربي قوميا وفلسطينيا ووطنيا.
الأمر الآخر هو ضرب السكان والمواطنين بعضهم ببعض والاشتباك مع رئيس وإدارة السلطة المحلية يعني "بطيخ يكسر بعضه". فالحكومة تسعى جاهدة إلى ضرب وقتل الروح المعنوية المجتمعية والفردية والجماعية للمواطنين العرب، ولهذا تهدف من وراء كل ذلك إلى ضرب عصفورين بحجر واحد، من جهة إفشال وإظهار السلطة المحلية كسلطة مشلولة فاشلة لا تؤدي الحد الأدنى من تعهداتها تجاه المواطنين مما يعني إفراغها من جوهرها كسلطة محلية لديها البرامج والدراسات والخطط لتطوير مختلف الجوانب في تقدم المواطن العربي وإعداده لمرحلة التطور العصري والتكنولوجي مع المحافظة على جذوره وانتمائه بعدم التفريط بالحقوق اليومية والقومية ومن جهة أخرى حرمان واضطهاد المواطن العربي من حقوقه الأساسية في تلقي الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية وإفراغ السلطة المحلية من احتياط الأرض للإسكان والتطور الاقتصادي والصناعي والتجاري للسنوات القادمة.
ما الذي تبقى بعد كل ذلك؟ إبقاء المجتمع العربي كمجتمع متأخر عن مواكبة العصر والتطور، يعاني الصراعات القبلية والعائلية وتنخر فيه الخلافات الداخلية على كرسي الرئاسة وتهميش المواطن العربي وتحييد دوره في معركة تحصيل الحقوق اليومية والقومية مع الكرامة الوطنية وإبعاد المواطنين عن مشاركتهم في إدارة شؤونهم بأنفسهم بعيدين عن التأثير على مجمل القرار السياسي في إسرائيل لصالح المجتمع عامة، فما يجري تهميش الدور الكفاحي السياسي الكمي والنوعي للمواطنين العرب في معركة السلام والمساواة وإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
تحاول الحكومة إقصاء الجماهير العربية عن معركتها من اجل الحقوق والمساواة والسلام، وتهدف إلى إبقاء هذه الجماهير أسيرة الخلافات الداخلية المتناحرة، هامشية فقط، تشكل احتياط ومخزون استهلاكي في تحمل أعباء المجتمع الإسرائيلي بجميع أزماته المتعددة، وجعل المواطنين العرب مجرد مجمع اقتصادي في تجميع وتحصيل الفاتورة الاقتصادية بتحصيل ودفع الضرائب المختلفة التي تثقل كاهل المواطنين العرب وربط الميزانيات بمدى الإخلاص في تحصيل فاتورة الضرائب مثل الارنونا والأرض والمياه وغيرها، كذلك في الإخلاص والولاء للدولة وقوانينها العنصرية على حساب الولاء والإخلاص لانتمائها القومي والفلسطيني أولا ومن ثم كمواطنين متساوي الحقوق في إسرائيل.
يستطيع المواطن ان يساهم من موقعه البسيط لكن الأساس باعتباره اللاعب الذي لا غنى عنه في حلبة شد الحبل ما بين الحكم المحلي والحكم المركزي وسياسة الاضطهاد والتمييز العنصري.
من الواجب والطبيعي ان يشكل المواطن السند الهام الذي ترتكز عليه السلطة المحلية بصفته الممول الأول لخزينة الدولة. فالإدارة الناجحة والحكيمة في السلطة المحلية تأتي بالضرورة بنتائج ايجابية على مجموع المواطنين، فالتفاعل يجب ان يكون مشتركا. التعاون وسهر المواطنين على مصالح القرية وتطورها يخدم في جوهره ليس الإدارة الناجحة فحسب وإنما مجموع الناس والمواطنين عامة.
ان محاربة البيروقراطية والفساد والإفساد ورؤية الجوهر وليس الاهتمام بالمظاهر والشعارات الرنانة والبحث عن الحقيقة وتصحيح الخطأ هي من الأمور الهامة في عمل الجمهور والمواطنين في مراقبة نظام عمل السلطة المحلية، ان مصالح الجمهور والمواطنين عامة هي أمانة انتدب لحمايتها وصيانتها وتطورها أعضاء السلطة المحلية المنتخبون ومجموع الإدارة والعاملين فيها.
من حق الجمهور ان يعرف ما يجري داخل السلطة المحلية، بصفته المراقب الشعبي عليها، خصوصا حين توجد إدارة مهنية وحكيمة وذات مصداقية وتعمل بشفافية تسعى إلى فتح جلسات المجلس البلدي والمحلي أمام الجمهور الواسع من كافة الأطياف والألوان. ان تقديم تقارير إلى الناخبين والمواطنين في فترات متقاربة هي صفة من صفات الإدارة الناجحة والمهنية التي تسعى لتعزيز العلاقة مع الجمهور. فالجمهور بدوره لا بد ان يتجاوب على شكل المشاركة والحضور والتفاعل والتضحية لأجل الصالح العام وتشجيع روح العطاء لبلده ومجتمعه سواء من أعمال خيرية وتبرعية لانجاز مشاريع وأمور توفر الأموال على صندوق السلطة المحلية، أو من خلال دفع المستحقات المالية في موعدها من ضرائب والتزامات مالية وغيرها، وهذا يدفع دائرة التفاعل بين السلطة المحلية والمواطنين لصالح المواطنين وتطورها في شتى المجالات.
خلاصة القول هي السعي الدؤوب والمتواصل وعلى أساس مسيرة الكفاح اليومي للمواطنين العرب ومتانة ودور سلطاتنا المحلية في معركة الحقوق اليومية والقومية. لان تلبية متطلباتنا وحقوقنا من المؤسسة الحاكمة لا يمكن ان تأتي الا عبر صيانة الوحدة الوطنية والسياسية وعبر الكفاح السياسي الشعبي والجماهيري بهز جدران الخزان أمام حكومة القهر والتمييز والحرب والاحتلال. الفرز واضح، الحكم المحلي خاصة العربي بكل ما يعانيه مع الجمهور وحقوق المواطن في تحصيل ما هو حق لهم، امام سندان سياسة الإهمال المتعمد التي تمارسها حكومة الاضطهاد والتمييز القومي، حكومة الحرب والخداع والاستيطان، والمعركة مستمرة..
(كويكات/أبوسنان)
