لم يكن صعبا ً على أي كاتب أو محلل أن يجيد وصف أو تسمية ما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة الفلسطينية، ولم يستدعِ ذلك مخيلة خلاقه أو إبداعاً خارقاً، لأن ما اقترفته إسرائيل، طيلة عقود من احتلالها للأراضي الفلسطينية، فاق كل مخيلة وإبداع وحّول عملية التسميه أو التوصيف إلى فن انطباعي، ما على الكاتب إلا أن ينقله واقعاً كما هو على طبيعته. وربما لن يكفي قاموس واحد لاحتواء هذا التاريخ الأسود وحصيلته من معاناة شعب ٍ ما زال يدفع أبهظ الأثمان في سبيل تحقيق حلمه في الحرية والاستقلال.
فلم تسلم مدينه أو قرية أو حي أو شارع أو عائله أو حتى بيت فلسطيني، إلا ودفع الغالي في هذه المعركه مع الاحتلال.
الظلم يتفاقم يومياً، المعاناة تشتد، الأوضاع تتأزم وإسرائيل تبطش بممارسات سبقتها إليها أنظمة درسَت وأساليب تسجّل عليها براءة الاختراع والسبق.
طال الاحتلال وطالت يد الاسرائيلي وعبثت بالجغرافيا، بعدما سوقت رواية مزيفة عن تاريخ المنطقة وتحديداً عن فلسطين، تفشى الاستيطان وضحيته الكبرى هي مدينة القدس التي لم يمهلها الاحتلال كما أمهل باقي المناطق، وانقض عليها في اليوم السابع بعد أن أكمل "نزهته" في حرب يذكرها التاريخ بحرب الستة أيام.
وقدس اليوم ليست هي قدس الستينات ولا حتى تلك التي أعرفها من أوائل السبعينات، عندما جئت إليها طالباً وعايشت فيها كل مر وحلو. كل شيء فيها تغير وتبدل، فقبل الأمكنة تغير الإنسان وهذه قصة وحكايه لا بد أن تحكى في يوم ما.
عدت إلى قضية القدس بعد قراءتي لما كتبته الصحف العربية في العالم، واقتصر ذلك عن ما حدث من اعتداء اسرائيلي وتصد فلسطيني في محيط وداخل الحرم القدسي. لم تشذ هذه التغطية الإعلامية عن خطاب هذا الإعلام في الآونة الأخيرة، فقضية ما يتربص بالحرم القدسي أصبحت في عين العاصفة وتكاد أن تختزل كل ما تكابده هذه المدينه وأبناؤها. أما الواقع فهو أكثر مرارةً وأبعاده أخطر بكثير وهي تشمل مصير هذه المدينة التي نصر، ويصر العرب والمسلمون، على أنها كانت وستبقى مدينةً عربية وعاصمةً لدولة فلسطين العتيدة.
في هذا اليوم انتشرت قوات الأمن الإسرائيلية في جميع شوارع المدينة العربية وأحيائها، لتمنع حرية الحركه والتنقل عن سكانها الفلسطينيين وتسد عليهم جميع المنافذ والطرقات وتبقيهم سجناء في بيوتهم وهي تفعل هذا بعد أن أحكمت إغلاق المدينة، ومنذ سنوات، بحواجز عسكرية، أحاطتها من جميع الجهات، وبالسور الرهيب الذي أكمل عملية فصلها وخنقها.
في هذا اليوم يتوحد الإسرائيليون مع ربهم ليطلبوا الغفران والصفح عن معاصيهم فرداً فرداً وهكذا يتوحدون حتى لا يستثنى منهم أحد ليلتفت إلى ما يكابده أهل المدينة الفلسطينيون ولو بيوم غفرانهم.
المدينة المحاصرة تئن وأهلها يعانون أهوال ما تستحدثه يومياً آلة القمع الإسرائيلية لتحول حياة الفلسطيني إلى جحيم يعانيه مقطوعاً عن أهله وعن باقي أرضه تلك التي أبقاها سور الفصل هناك لتواجه المجهول.
والحال هكذا، تأتينا ثلة من مهاويسهم تصر على دخول منطقة الحرم حيث ثالث الحرمين وأولى القبلتين، وهذه الثلة تفعل ذلك بتخطيط ولمأرب، برأيي، يتعدى الاستفزاز المباشر والملموس.
فإسرائيل نجحت، وخلال سنين من عمل دؤوب وحفرياتٍ نعرف عنها الكثير ويغيب عنا الأكثر، بالتواجد تحت منطقة الحرم ولا أبالغ إن قلت أن تواجدها يمتد على مساحات شاسعة من البلدة القديمة وهي تسيطر على هذه وحيدةً دون عوائق.
وإسرائيل تبنت منذ عام الاحتلال موقفاً دينياً يحرم على اليهود الدخول الى منطقة الحرم لأسباب ودواع دينية يهودية لن نقحمها هنا، أما في السنوات الأخيرة فهنالك تآكل في هذا الموقف الديني، حيث ازدادت فتاوى وآراء الربانيم المتطرفين فطفقوا يشرّعون، ولأسباب سياسية الدخول إلى باحات الحرم القدسي. ومع أنها فتاوى دينية يحررها رجال دين يؤيدون أحزاباً يمينيه تمثل بالأساس مجموعات المستوطنين وغلاة اليمين المتحد مع هؤلاء، إلا أنها في الواقع أدوات سياسية، هنالك من يقف وراء برمجتها وإطلاقها وتجنيد الدعم والرأي العام لصالحها.
غاية من يخطط لهذا هي حصر النزاع حول القدس في تلك المنطقة التي أسماها الإسرائيلي في لقاءاته مع الفلسطينيين "بالحوض المقدس" وتحويل قضية القدس إلى نزاع محوره الدين والأماكن المقدسة فقط وسلخها عن قضية فلسطين واحتلالها من قبل إسرائيل.
ومع إقرارنا بأن البعد الديني هو أحد أبعاد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة على القدس، لكن ذلك يختلف عن حصره بعدا ً وحيدا ً يتصدر واجهة هذا الصراع ويلغي أو يقزِّم أبعادا ً هامة ً أخرى.
ففي الماضي غير البعيد تنبه العديد من قادة فلسطين وخاصةً الكبير المرحوم فيصل الحسيني لهذه المخططات وأصرّ دائماً أن يبقى النزاع حول القدس نزاعاً سياسياً شاملاً، أساسه حق الفلسطينيين في القدس وفقاً لما أقرته قرارات الشرعية الدولية وحرص دائماً على أن لا يتمحور هذا النزاع حول مفاصل دينية فيخسر الفلسطينيون عندها عدة أوراق لا يمكن للإسرائيلي إلا أن يكون ضعيفاً في وجهها.
ومرةً أخرى يطغى الخطاب العربي لما استدرجه إليه الفعل الإسرائيلي، ففي هذا اليوم كتب العرب عن الأقصى وعن ما يتربص به من مخاطر، فها هي الجامعة العربية تعرب عن قلقها وتشجب وتهيب بالعالم لإنقاذه، ومنظمة الدول الإسلامية التي تمثل أكثر من خمسين دولة في العالم سكانها يتعدون المليار ونصف المليار، تستنجد وتسجل شجبها وقلقها وما إلى ذلك من هذه الشعارات التي دشمنا منها وقتلتنا بريحها ورائحتها.
كتبوا وانساقوا مع ما خطط له الإسرائيلي وأغفلوا ما عاناه ويعانيه ربع مليون من الفلسطينيين زجوا في بيوتهم حيث لا حول لهم ولا قوة، ولا مثلهم يعرف ويوقن أن القدس، كل القدس، في خطر وإن ضاعت هذه فمن سينقذ الأقصى إلا ربه الموكل بحمايته ونعم الوكيل.
كفرياسيف
