* تكثر الخواطر والتساؤلات على هامش مظاهرتنا الكبرى في الشيخ جراح: عن شماتة المعتقل بسجّانه، وتجاوز اليسار للفقاعة التل-أبيبية.. عن ربات العائلات الشامخة وحبات البصل العائدة أدراجها سالمة خائبة وعن الراية-المدرسة التي لا تكون إلا امتدادا تكامليا من المشهد النضالي الشعبي، الأممي الأصيل ولا دخيل ولا مراهق إلا النداء المشبوه لاسقاطها *
مظاهرة اليسار الكبرى في الشيخ جرّاح، مساء السبت الأخير، كانت في وقتها وفي محلها الصحيحين. وأهم ما فيها أنها منحتنا، نحن بناة اليسار وحماته، وجبة لا بأس بها من المعنويات: فالمظاهرات الأسبوعية التي ما كانت لتضم قبل أشهر قليلة إلا العشرات من المتظاهرين، صارت اليوم تستقطب كل هذه الألوف المؤلفة. وأجمل في هذا الانجاز، سببه:
عنجهية البوليس!
في الأمس كان بوسع رفاقنا ممن ذاقوا مرارة الاعتقال في الأسابيع الأخيرة أن يحدّقوا بشماتة متناهية بسجّانيهم أو حتى أن يمدوا ألسنتهم بوجوههم ويقولون لهم: شكرا!
عنجد عنجد شكرا!
شكرا لكل ضربة هراوة وجهتموها إلينا، شكرا لكل سلسلة ارتبطت حول معاصمنا والأهم الأهم شكرا لكل ادعاء تافه وخائب قدمتموه إلى المحكمة، شكرا يا من نزعتم ورقة تين أخرى عن عورة "دولة البوليس"، شكرا لأنكم أسهمتم بتوسيع حلبة المعركة، فلم تعد محصورة على الحق بالعاصمة الفلسطينية المستقلة وأخذت أبعاد جديدة لتكون معركة ضد الاعتقالات الجماعية ومنع التظاهر وكل ما هو نذير بالتزحلق السريع نحو الفاشية!
**
في الشيخ جراح ورغم ما سمعناه من شهادات مؤلمة من ربات العائلات المشرّدة، وجدنا متسعا للفرح.
فرح؟ رغم هذه الشهادات كلها؟
بل بفضلها. بفضل هؤلاء المناضلات، الصامدات المرابطات، بفضل كلماتهن الحاسمة الحازمة المضيئة المتوثبة الملتهبة، بفضل نبراتهن ونظراتهن المتفقدة إصرارا وكبرياء وشموخا.. بفضل تفوقهن الأخلاقي والانساني على أعتى الجيوش وجحافل مستوطنيها.
لكنني، والحق الحق أقول، كنت فرحا لسبب آخر أيضا، أفرحني أن أسمع في القدس شعارات كان الرفاق قد أبدعوا وأسهموا بصياغتها في مظاهراتنا في الناصرة وتل أبيب. مفرح هذا التمّكن من إخراج اليسار من "الفقاعة التل أبيبية"، لننشد راقصين، باقتباس متصرف به من برتولد بريخت:
حيث أسكن، يكون اليسار
وحيث تُهاجَمُ يقاتِل.
**
لم تكن كل الأمور على ما يرام.
بعض الرفاق خابت آمالهم حين اكتشفوا أنهم سيعودون إلى بيوتهم دون أن يحتاجوا إلى ما تدججوا به من حبّات البصل.
وإن كان بالامكان التهدئة من روعهم واقناعهم أن عدم المواجهة جاء بقرار بوليسي –تماما كما كان القرار بالمواجهة بوليسيا دائما- وأنه لم يأت من عدم، إنما في أعقاب توجه الرفاق إلى المحكمة العليا ضد ممارسات البوليس من جهة وفي أعقاب اقتناع البوليس –وقد علّمه التكرار- من جهة أخرى أن هذا العنف لن يثني أحدا.. إلا أنه لم يكن من السهل الاقتناع بفحوى بعض الفقرات "الاحتفالية" في البرنامج!
ما كنت لأتطرق لهذا الموضوع إلا لشعوري حقا أن هنالك فقرات كانت دخيلة على أجواء الحي وعلى أهله، على ثقافتهم ونضالهم، وهو أمر يستحق التمعّن والانتباه الحذر، فالتمكن من اجتذاب ألوف اليساريين العرب واليهود من خارج الحي لا يعفينا من التفكير حتى الأرق بوسائل تجنيد أهالي الحي والأحياء المجاورة ضد التشريد الذي إن طال اليوم جارك فسيصلك غدا، لا محالة!
يجب أن يقلقنا احتمال الوصول إلى مكان حرج، يتحول به الشيخ جراح إلى حلبة يناضل بها نشطاء السلام ببسالة ولكن بانقطاع –ولو جزئي- عن أهل الحي والقدس الشرقية عموما.
وأنا واثق من أن نضالنا بنموذجه هذا كنضال شعبي جماعي وأممي هو الأقدر على استقطاب أكبر عدد ممكن من الشركاء، عربا ويهودا من القدس، شرقيها وغربيها، وتظل مسؤوليتنا بصياغة الخطاب المجنّد والدقيق في آن..
**
رغم عظمة الانجاز بهذه المظاهرة ورغم الأسئلة الملحّة الجادة والمركزية حول آفاق ووسائل تصعيد النضال وتطويره، أجد لزاما علي التطرق إلى خطاب إشكالي في التظاهرة قدمه أحد الأخوة المعدودين على إحدى أصغر الحركات الوطنية في البلاد، والذي جاء ليقنعنا بتنكيس الرايات الحمراء ويفهمنا لماذا يستحق المتظاهرون العرب تحية أحرّ من تحية رفاقهم اليهود!
نقاشي مع صاحب هذا الموقف ليس على رفع الراية أو تنكيسها، فهذا أمر محسوم ولا نقاش فيه بنظرنا، وشبيبتنا الشيوعية تعلنها بكل وضوح: راياتنا الحمراء ستظل خفاقة دائما وأبدا في الشيخ جراح وبلعين وعين ماهل وبئر السبع ورمات جان، ليس من باب المناكفة الحزبية والفئوية ولا من باب الدعاية الانتخابية إنما من باب تسجيل الموقف السياسي الصح!
فنحن، ونحن فقط، من نملك راية بوسع كل مواطن امتلاكها، بوسع كل مواطن – أو حتى عامل أجنبي- في البلاد أن يرفعها دون أي تحفظ أو حاجز قومي أو طائفي، لأنها هي، وهي فقط، القادرة على الإشارة إلى المصالح المشتركة لشعبي هذه البلاد، فمن كان منكم يملك راية-فكرة كهذه، فليأتنا بمثلها أو ليتواضع، والتواضع لا يكون بالتنازل عن الموقف، فالاختلاف حق وواجب، والنقاش مطلوب وحيوي لكننا لن نسمح لمن يتنكر لانتمائه الحزبي بهدف استراق المنصة لعدة دقائق بمخاطبتنا بلهجة فئوية عمياء تلقينية وموبخة!
**
أين هو النقاش إذن، إن لم يكن على الراية؟
النقاش هو على أسلوب النضال، فهو في الشيخ جراح، تماما كما في بلعين، ينتمي إلى المدرسة النضالية التي نؤمن بها.. مدرسة النضالات الجماهيرية الشعبية الواسعة الأممية، ولهذا السبب بالذات، لم نكن في هذه المظاهرة دخلاء بل وكانت راياتنا الحمراء تشكل امتدادا تكامليا كامل التماهي والانسجام مع هذا المشهد الكفاحي. والطعن بحقنا برفع راياتنا –إضافة إلى المفاضلة العنصرية بين المتظاهرين- يؤكد أن هنالك من يريد لهذا النضال شكلا آخر، وهذا شأنه، لكن علينا أن نسأله: ما الذي بذلته من أجل تحقيق هذا الهدف؟ وهل تكفي نضالات "قل كلمتك وامش؟" التي لا يتجاوز تأثيرها تأثير الخربشات في المراحيض العامة؟
جوابه شأنه.
أما نحن ولأننا نؤمن حقا بالعمل السياسي وبقدرته على تغيير الأمور فإننا طلاب مدرسة "حرفة النملة"، ولسنا هنا بصدد انتقاء أشكال النضال للآخرين لكننا نقول بكل الثقة والمسؤولية –وكروّاد للعمل التنسيقي مع الآخرين ولبناء الجبهات والتحالفات الأعرض- أننا لن نسمح لأحد أن يتلف نضالات طويلة الأمد والنفس بخطابات مراهقة دخيلة.
**
هنالك إذن الكثير من الأسئلة والنقاشات، منها المركزية والهامشية، لكن السؤال الذي لا يعلوه سؤال آخر هو: ما هي الخطوة القادمة، ليأتي يوم نزور لعائلات الشيخ جراح وقد عادت هي إلى منازلها وتغلبنا نحن على الخفة التي لا تحتمل باقتحام عاصمة الدولة الفلسطينية المجاورة دون تفتيش أو جواز سفر؟!
