أفكار وملاحظات في مواجهة الموجة اليمينية العكرة !

single

تعيش الدولة أجواء يمينية بامتياز في مستويات عدّة من الحياة العامة، أجواء تترجمها القوى اليمينية، وليست المتطرفة فحسب، إلى وقائع "وشرائع" على الأرض. إلى تشريعات جديدة وتعديلات في القانون وإلى حملات لا تتوقف على منظومات الديمقراطية ومبادئها الأساسية من حريات وحقوق وعلى الأقلية العربية الفلسطينية وحقوقها ومكانتها.
ونشير في البداية إلى أن هذه الموجة اليمينية العكرة التي تجتاح الدولة لم تولد من فراغ. فهي في رأينا إنتاج من جديد لفلسفة يمينية كامنة في صلب التجربة الإسرائيلية. وقد سبقها ما حرّكها ودفعها إلى الواجهة. لست بصدد تحليل هذه الديناميكية، لكني أشير بعجالة إلى شعار نتنياهو العنصري ليلة انتخابات العام 1996: "نتنياهو جيد لليهود". لقد قد تحوّل هذا الشعار تدريجيا وتدريجيا إلى مقدّمة لخطاب قومي غير دمقراطي تم تتويجه بانتصار اليمين في الانتخابات الأخيرة وانتقال حزب يسرائيل بيتينو إلى مركز اتخاذ القرار كثالث حزب في الدولة. وبدت المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة مدفوعة بطاقة يمينية المضامين إلى إعادة ترسيم مجمل حدود علاقاتها بالأقلية العربية في إسرائيل، وفرض معادلة جديدة، أو متجدِّدة، تكرّس فوقية قومية يهودية مُقوننة دستوريا من خلال انتقاص معلن من مكانة الأقلية العربية ومن حقوقها لا سيما الجمعية.
وتنطوي المرحلة الراهنة وما تشهده من عنصرية مكشوفة على سمات تتشكل أمامنا في ستة محاور أساسية مجتمعة:
أولا، المسّ بحقوق المواطنين العرب من قبل الهيئة التشريعية من خلال تشريعات عنصرية ومنها: (1) قانون حظر إحياء النكبة الموجّه ضد الرواية التاريخية والذاكرة الجمعية. (2)  قانون لجان القبول، "لجان التمييز"، الذي يحرم العربي من حق السكن حيثما يشاء. (3) قانون صلاحية سحب الجنسية كسيف مسلّط على أعناق المواطنين العرب. (4) مواصلة تمديد قانون منع لم الشمل للفلسطينيين كإجراء تدخلي من السلطات في العامل الديموغرافي. هذا بالإضافة إلى سيل من اقتراحات القوانين مثل "قوانين الولاء للدولة اليهودية الصهيونية" واقتراح قانون إلغاء رسمية اللغة العربية الذي يستهدف تكريس يهودية الدولة وإقصاء اللغة العربية وأصحابها من الحيز العام، والان محاولة تشريع قانون يحظر الآذان بمكبرات الصوت في المساجد.

ثانيا، المسّ بمكانة المواطنين العرب من خلال التحريض العنصري الذي يستهدف سحب شرعيتنا كأقلية وطن أصلانية وضرب أحقيتنا بالتأثير على المستوى  السياسي. ومما حصل في هذا الباب نذكر: (1) توقيع العشرات من الحاخامات اليهود على الدعوة لعدم تأجير وبيع بيوت للعرب. (2) التعرض لممتلكات عربية ودينية – مثل حرق المسجد في طوبا ـ زنغرية وتخريب المقبرة في يافا البحر والاعتداءات على ممتلكات العرب في عكا. (3) زرع بؤر استيطانية على شكل مدارس دينية في قلب الأحياء العربية في مدن مشتركة مثل عكا ويافا تشكل مصدرا للعنصرية والعنف والمضايقات المعلنة. (4) الدعوات لنقل مواطنين عرب إلى حدود السلطة الفلسطينية – ترانسفير اثني.
بالمقابل، فشلت الأجهزة القضائية في إسرائيل (الشرطة والنيابة ومكتب المستشار القضائي والقضاء بشكل عام) في التعامل مع العنصرية المتنامية فكانت ردود فعل السلطات خجولة جدا وغير رادعة قطعا. صحيح أن المستشار القضائي للحكومة أمر مؤخرا بفتح تحقيق ضد الراب الرئيسي لمدينة صفد وهو من أبرز المحرضين على العرب، إلا إن هذا الراب كان ينبغي أن يودع السجن على نشاطه العنصري منذ سنوات لولا أن السلطة تتعامل مع العنصرية والعنصريين بقفازات من حرير. بل نؤكّد بناء على التجربة التاريخية للمجتمعات في أوروبا تحديدا أن ردود فعل خجولة كالتي تأتي بها السلطة حيال عنصرية لفظية وعملية أفضت دائما إلى تحول العنصرية إلى ممارسة عنيفة تجاه ضحاياها وإلى تمرّد هذه العنصرية على السلطة ذاتها. وهذا ما نشهده الآن في انقضاض اليمين على السلطة القضائية ممثلة بالمحكمة العليا وقضاتها واستقلاليتها وعلى النيابة العامة، أيضا. (أما شكلها الأخر فنراه في الاراضي المحتلة حيث يتمرّد اليمين المتطرف هناك على الجيش وضباطه علما بأنه الضالع بعملية حمايتهم ومستوطناتهم).
ثالثا، المس بحرية التعبير في البلاد وحرية التعبير لدى الأقلية العربية بشكل خاص من خلال السعي إلى: (1) تشريع قانون حظر إحياء النكبة وحظر نقد يهودية الدولة. (2) تشريع قانون فرض غرامات باهظة على كل من يدعو إلى مقاطعة إسرائيل ومؤسساتها وجامعاتها ومستوطناتها. (3) سياسات وزارة العارف المتمثلة بسحب كتب تعليم تتعرض لموضوع النكبة، وبالمقابل توكيد صهيونية الدولة ويهوديتها من خلال فرض واجبات جديدة على المدارس بهذا المضمون.
رابعا، التحريض والتضييق على مؤسسات حقوق الانسان في إسرائيل من خلال: (1) اقتراحات القوانين حول تقييد ومراقبة التبرعات للجمعيات واقتطاع نسبة عالية (قد تصل إلى النصف تقريبا) منها كضرائب. (2) محاولات إخضاع الجمعيات الحقوقية لجلسات استماع في الكنيست. (3) محاولات مستمرة لإقامة لجنة تحقيق برلمانية في عمل الجمعيات. (4) اعتماد حملات إعلامية ودعائية تشويهية مناهضة لجمعيات حقوق الإنسان والعمل ضدها في المحافل المحلية والدولية.
ويحدث هذا في وقت بدأ يتنامى فيه الوعي دوليا لحقيقة أن حقوق الانسان وحقوق الأقليات هي ليست شأنا داخليا للدولة، أي دولة، بل هي قضايا دولية. فهناك الاعلان العالمي لحقوق الاقليات القومية، من العام 1992، والاعلان العالمي لحقوق الاقليات الأصلية، من العام 2007 وسواها من مواثيق ومواد قانونية عالمية تحولت إلى محاور أساسية في الخطاب القانوني الدولي والعلاقات بين الدول. وهذا الدعم في حال المنظمات الحقوقية العربية هنا ومناصريها في المجتمع اليهودي هو بمثابة اعتراف دولي بقضايانا وبالتمييز الذي نعانيه داخل البلاد. ولهذا، فاليمين لا يسعى إلى التضييق على عمل مؤسسات حقوق الانسان داخل البلاد بل يسعى بالجهد ذاته إلى منعنا من التواصل مع المجتمع الدولي وطرح قضايانا من خلال منابره.
خامسا، تجميد والغاء سياسات وتوصيات لجان هامة عملت في السابق. ومنها توصيات "لجنة أور" التي انتقدت السياسات العنصرية وأوصت مثلا بتخصيص ميزانيات وأراض للعرب تلبي احتياجاتهم. ومنها أيضا، توصيات لجان مهنية لتطوير التعليم العربي والتربية لحياة مشتركة في البلاد. بالمقابل، تعيين لجان أخرى تمثل توجهات يمينية مثل "لجنة برافر" التي أقيمت للنيل من قضايا الأرض والقرى غير المعترف بها في النقب وعكست روحا سلطوية قوامها التهجير والحرمان.
سادسا، المس بفصل سلطات الحكم في البلاد والتقييد من صلاحيات مؤسسات المراقبة والمحاسبة.  وضمن هذا المحور نذكر محاولات تشريعية وحملات تحريض تهدف لإبطال قدرة المحكمة العليا على إلغاء تشريعات تشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأخرى تمسّ باستقلالية الجهاز القضائي عامة، وطريقة تعيين القضاة خاصة. إن مثل هذا التصادم بين سلطة تشريعية متطرفة وبين السلطة القضائية يمكن أن يقود إلى أزمة في منظومة الحكم في البلاد. لكن هذه القوانين قد تدفع بالعليا إلى التراجع الذاتي عن التدخل بعمل الكنيست، والتراجع عن موقعها المفترض كحامية لحقوق الإنسان.

هي قوانين واقتراحات قوانين تسعى بالمجمل الى ترسيخ يهودية الدولة وصهيونيتها. وهذا التطور ليس عشوائيا، وهو يتعدى كونه مجرّد بحث من عضو كنيست عن عنوان هنا وعنوان هناك في الاعلام. إنه مشروع بعيد المدى تُخطط له عناصر سياسية ومهنية متخصصة في القانون والقضاء والسياسة والإعلام. ومن هنا خطورته.

 

  • في المواجهة كما في المواجهة!


لا شك أن العمل الجماهيري يبقى هو الأساس وهو الساحة الأهم في النضال الشعبي لمواجهة السياسات والممارسات العنصرية، بما في ذلك مشاريع القوانين الجديدة. علينا في هذه المرحلة الاهتمام بثلاثة محاور:
الأول ـ علينا تقوية العمل الوحدوي الوطني بين جماهيرنا بأحزابها وحركاتها ومؤسساتها الأهلية من أجل ضمان تغليب القضايا العامة، وخلق مناخ للتعاون والعمل المشترك. تطور كهذا من شأنه أن يزيد من ثقل الأقلية العربية في العلاقة مع الأكثرية اليهودية ومع الدولة ومؤسساتها. مع تأكيدنا على ضرورة استحداث آليات نضالية جديدة والارتقاء بما تعودنا عليه وألفناه إلى مستويات جديدة قد تربك المؤسسة ولا تدعها تهرب من الاستحقاقات التي نشكلها كأقلية وطن قومية.
الثاني ـ علينا تكثيف جهود العمل والتواصل مع أطر وقوى وفعاليات يهودية تشاركنا الرفض القاطع للقوانين والمخططات العنصرية. والتجارب العالمية تؤكد على محورية هذه التعاون في نضال الأقليات. وهو يقوم على فرضيتين، تقول الأولى أن التأثير على الآخر يتم بالتقائه ومحاورته والتشارك معه، والثانية تقول، وجوب النضال على المستوى القيمي، أيضا، وعدم الاكتفاء بالنضال في المستوى الهويتي.
الثالث ـ علينا تكثيف تواصلنا مع المؤسسات الدولية والإقليمية وتكثيف المرافعة أمامها، وخاصة مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والسفارات الأجنبية من أجل شرح خطورة المشاريع المطروحة ودفعها للعمل على منع تمريرها. بمعنى، أنه ينبغي عدم الركون إلى حقيقة كوننا ضحية بامتياز وحقنا على العالم مفروغ منه. فنظام معولم مليء بالحقائق والمعلومات هو عالم من التنافس الدائم على الحقائق وعلى الحقوق. ونحسن صنعا إن اعتمدنا المبادرة والفعل بعيدا عن ثقافة تعداد المظالم.
نضالنا في نهاية الأمر هو نضال لحماية حقوقنا في وطننا، وحقوق شعبنا عامة. وهو نضال تدعمه الشرعية الدولية قانونيًا وأخلاقيًا. حمل شعبنا هنا على أكتافه، ومن جيل إلى جيل، مشروعا وطنيا تاريخيا يحمي البقاء والتطور في وطن الآباء والأجداد ويبني مستقبلا واعدا لكل الناس. هو مشروع حياة تحرري تتناقله الأجيال، قوامه الحياة الحرة والكريمة في دولة المساواة القومية والمدنية.

(محاضر وأخصائي حقوقي، مدير مركز دراسات، المركز العربي للحقوق والسياسات)

قد يهمّكم أيضا..
featured

بوكر طوف دَكتور

featured

شعب مصر يصنع النصر

featured

حقائق حول استراتيجية الحرب المبيتة على غزة والشعب الفلسطيني!

featured

"مشاركة الأهل في العمل المدرسي "

featured

ماذا وراء المبادرات المختلفة لحل الصراع الفلسطيني - اﻹسرائيلي؟

featured

Apocalypse "داعش» والحليف الأميركي

featured

السؤال عن عملية ايلات