في أورشليم لنا مصالح، ونحن على استعداد للتنازل عنها من أجل السلام. وفي القدس لكم أطماع تفسدكم، هل أنتم على استعداد للتنازل عنها من أجل صلاحكم والسلام؟
في القدس، تتصادم مصالحنا مع أطماعكم.
في القدس، تتناقض قيمنا الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والسياديّة... مع قيمكم الاحتلاليّة والاستعماريّة؛ فهل ستتوقّفون عن قمعنا واستعبادنا وهدم منازلنا ومصادرة أراضينا وترحيلنا وإذلال العباد؟
في القدس، تتعارض أفعالنا الصادقة والأصيلة مع أفعالكم الزائفة والزائلة والمفتعلة والرذيلة!
دخلنا القدس من أبوابها، وعرفنا كافة أزقّتها، وكلّ اتّجاهاتها وحدودها وساحاتها، حتى غرف نومها وملاعب صغارها؛ فاستوطنت القدس فينا وأوصدت منافذها ورفعت عتباتها وأسوارها كي تحافظ على ذرّات غبار نعالنا!
بعد "مفاوضات" كامب ديفيد 2000، صرفنا الكثير من الوقت لمراجعة ما قاله عرفات ليدحض مزاعم براك وكلينتون، بذلنا جهدا كبيرا في قراءة ما كتبه شلومو بن عامي (وزير الأمن الداخليّ ووزير الخارجيّة فيما بعد) وجلعاد شير (رئيس طاقم المفاوضات) ويوسي بيلين (وزير القضاء) ويوسي جينوسار (رجل المخابرات وحلقة الوصل بين الطرفين)... وبِل كلينتون في "حياتي" ودنيس روس...فوجدنا أنّ المفاوضات اختزلت على جملة واحدة من براك: إمّا كلّ شيء أو لا شيء!!
وبعد وفاة عرفات، أصغينا لتحليلات قادة، وسمعنا تصريحات فلسطينيّة تتّهم عرفات بالخطأ، لعدم قبوله "مؤشّرات" كلينتون، التي قرأها على الطرفين، الفلسطينيّ والإسرائيليّ، في 23-1-2000! وبذلك ضيّع عرفات علينا فرصة استعادة القدس عاصمة للدولة الفلسطينيّة!
في العلن تبنّى الرئيسان بوش الإبن وأوباما "مؤشّرات" كليِنتون، وفي السرّ المفضوح وافقت زعامة جامعة الدول العربيّة وقيادات فلسطينيّة على أن يقبل الفلسطينيون بِـ 94-96% من الضفّة الغربيّة، مع تبادل أراضٍ مع إسرائيل بنسبة 1-3%، وعلى أنّ الأراضي التي تحتفظ بها إسرائيل ستشمل 80% من المستوطنين... أمّا بالنسبة للقدس، فقد وافقت "القيادات" المذكورة على أن تكون الأحياء العربيّة والمسجد الأقصى والحرم الشريف في فلسطين، والأحياء اليهوديّة وحائط المبكى في إسرائيل، وعلى أن تتوقّف الحفريات... لا يوجد اليوم عرفات للتذرّع! إذا كان الجميع موافقا على مؤشّرات كلينتون؛ فلماذا لم تطبّق؟!
مَن لا يعرف القدس، ويقوم بزيارتها للمرة الأولى يستنتج وحده: أنّها في الواقع مقسّمة، وبشهادة إيهود أولمرت، رئيس حكومة إسرائيل ورئيس بلدية القدس سابقا على ذلك، إذ اعترف في مقابلة صحفيّة معه، قبل ثلاثة أيّام، بمناسبة مرور 45 سنة على قرار توحيد القدس، على أنّ حكومته وإدارة بلديّته أهملتا الأحياء الشرقيّة للمدينة، ولم تستثمر حكومته الموارد من أجل توحيد القدس... وحرمت الفلسطينيين من حقّ الترشّح والانتخاب!
في القدس، يعيش الفلسطينيون تحت خطّ الفقر: 84% من الأطفال الفلسطينيّين سكّان القدس تحت خطّ الفقر(حسب تقرير جمعيّة حقوق المواطن لسنة 2011، 78% من كافة الفلسطينيّين يعيشون تحت خطّ الفقر، ونسبة البطالة بين الرجال الفلسطينيّين هي 40% وبين النساء 85%، يوجد في القدس العربيّة منطقة صناعيّة واحدة ضيّقة في وادي الجوز تؤول نحو الانقراض، 40% من الطلّاب الفلسطينيّين لا ينهون 12 سنة تعليم، يوجد في القدس الشرقيّة ثلاثة مكاتب للرفاه الاجتماعي تخدم الفلسطينيّين، الذين يشكّلون 38% من سكّان القدس، بينما في أورشليم هناك 18 مكتبا.
إن كانت القدس قلب إسرائيل، كما ادّعى بنيامين نتنياهو، يوم الأحد الماضي، فعن أيّ قدس يتحدّث؟! إنّ تقسيم القدس غير منوط بموافقة نتنياهو الواهم! اللاهث وراء استطلاعات الرأي؛ ليُسمع شعبه ما يرغب بسماعه!
كلّ رؤساء حكومات إسرائيل، بعد احتلال القدس، بدون استثناء، زعموا: أنّ القدس موحّدة، وعملوا على توحيدها، وجميعهم فشلوا وبالتالي رضخوا للأمر الواقع، بأنّ القدس مقسّمة على أرض الواقع!
لو صدق "زعماء جامعة الدول العربيّة" يوما؛ بأنّ للقدس مكانة دينيّة عزيزة وهامة... لكانوا أعتقوها من نيرهم ورفعت شعوبهم من مكانتها السياحيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والتربويّة... ولكانت...
لا بدّ لي بمناسبة مرور 45 سنة على قرار "توحيد" القدس إلّا أن أهمس في أذن السلطة الفلسطينيّة: لا تبعدوا جمرة القدس المتوهّجة عن باقي جمرات القضيّة المدفونة تحت رماد قمم العرب!
تريدين لقيان المعالي رخيصة ولا بدّ دون الشهد من إبر النحل!
