الاسلام السياسي ليس جزءا من الحل وانما هو جزء من المشكلة. المواجهة بدأت!
- هل يستطيع الاسلام السياسي الوفاء بأهداف ثورة التغيير؟
- أهداف ثورة التغيير الحقيقي تنتظر التحقيق، وبالتالي تظل المحرّك الديناميكي لاستمرار الحراك الشعبي. واذا كانت مجموعة عوامل قد فرضت حقبة انتقالية، بدل مباشرة تحقيق هذه الأهداف، كان في مقدمتها غياب القيادة الثورية المجربة لثورة التغيير منذ انطلاقها، فان محور الحقبة الانتقالية المقبلة سيمثّله الصراع بين القوى العلمانية والاسلام السياسي - وطبعا ليس الاسلام كدين وعقيدة
لدى التعاطي العملي، وليس الدعائي، مع مطالب الشعوب العربية، التي تسببت في اندلاع ثورة التغيير، فان شعار " الاسلام هو الحل"، عليه أن يتوارى ويفسح المجال للبرامج والخطوات العملية، التي دأبت مختلف فصائل الاسلام السياسي على التهرب من الالتزام بها أمام الشعب، واخفاء حقيقة أهدافها خلف هذا الشعار. لكن الاسلام، ببساطة، هو عقيدة ايمان وليس برنامج اقتصادي – اجتماعي – سياسي محدد المعالم. ولا أدل على ذلك من أن تاريخ الاسلام السياسي، على مدى قرون، حفل بالصراع على السلطة. وكان كل منتصر يعلن أن برنامجه الاقتصادي – الاجتماعي هو التفسير والتجسيد الصحيح للاسلام ! وفي دراسته لتاريخ الشرق، لاحظ ماركس أن " كل الحركات السياسية في الشرق تتخذ شكلا دينيا " ؛ من جانب آخر، ليس من تفسير لتعدد فرق الاسلام السياسي، اليوم – وكما كان الأمر منذ اليوم الأول لظهور الاسلام - وتباين تفسيراتها للدين وترجماتها له في الحياة الاجتماعية، حيث تدّعي كل منها أن تفسيراتها واجتهاداتها هي التطبيق الأمين والصحيح للاسلام، الاّ البرهان القاطع على أن هذه البرامج والاجتهادات هي من صنع المنادين بها، تعكس وتترجم مصالحهم الطبقية الخاصة، ولا علاقة لها بالاسلام، الذي هو عقيدة للمؤمنين من كل الطبقات الاجتماعية دون تمييز.
فالبطالة الجماهيرية والفقر الذي يشمل سبعين مليون انسان في العالم العربي، لا يمكن معالجتهما بالحسنات والزكاة، آليات الاسلام السياسي، في هذا الميدان ؛ بل لا بدّ من تدخل الدولة وبشكل فعال ؛ وذلك باقامة مشاريع متنوعة، تشمل مشاريع للبنية التحتية، وأخرى انتاجية وعمرانية، لا تعطي مردودا سريعا، يتردد الرأسمال الخاص في ولوجها ؛ جنبا الى جنب مع اقامة نظام ضمان اجتماعي، يؤمّن للمتقاعدين والعاطلين عن العمل دعما من خزينة الدولة، هو بمثابة حق يصون كرامتهم، وليس صدقة من أحد. وبخصوص النظام الضريبي القائم، الذي يؤثّر على توزيع الثروة، أعلن تنظيم الاخوان المسلمين في مصر، أنه لا يؤيد تغييره ؛ وهو نظام يتوافق مع تعاليم الليبرالية الجديدة، التي تخفف الى أقصى مدى ضريبة الدخل على الرأسمال الكبير، بينما تزيد وتنّوع الضرائب غير المباشرة التي يتحمل سواد الشعب عبئها الأساسي. وكان هذا النظام الضريبي أحد الأسباب في هبوط 40% من الشعب المصري الى ما تحت خط الفقر.
وفيما يتعلّق بالديموقراطية وتداول السلطة، فقد كان الشيخ ياسر برهان، من حزب " النور" السلفي في مصر واضحا في، هذا الصدد، بقوله، مؤخرا، ان " الديموقراطية التي قبلنا آلياتها هي كما صرّح برنامج الحزب ( يقصد حزب النور) منضبطة بضوابط الشريعة " ؛ وأضاف :" نعني أننا لا نقبل أن يكون الحكم لغير الله". أما ما لا يقبله السلفيون فهو – كما يوضح الشيخ ياسر – " الفكرة الفلسفية للديموقراطية في أن الشعب هو مصدر السلطة التشريعية " لاعتقادهم أن " الحكم لله". وبهذا المعنى، فحكم الله يحدده هذا الشيخ وأمثاله كيف يشاؤون وتتطلّب مصالحهم الطبقية. لكن معضلتهم الأبدية هي أن كل فرقة من الاسلام السياسي تزعم بدورها أن ما تطرحه هو التجسيد ل "الحكم لله". ويتجاهل هذا الشيخ وأمثاله ما قاله علي ابن أبي طالب، في معركة صفين، بأنه حتى القرآن الكريم حمّال أوحه، فما بالك بالشريعة التي يعتبرونها مصدر الحكم والتشريع ؟ واذا كان هذا الشيخ أكثرصراحة من غيره من قادة الاسلام السياسي، في هذا الشأن، فالاخرون يموّهون ويناورون في كشف مخزون قناعاتهم مبكرا، تحسبا من ردات فعل الناخب، الذي اقتنصوا وما زالوا يريدون اقتناص صوته. وهذا يعني أنه حين يكتشف الناخب أن الاسلام السياسي لن يحلّ مشاكله التي أدّت الى تمرّده على الحكام السابقين من جهة، ومنحه ثقته للاسلام السياسي، من الجهة الأخرى، فلن يكون بوسع هذا الناخب اسقاطه عن السلطة بنفس الآلية التي رفعه الى سدّتها ؛ حيث سيتشبثون، حينها، بأنهم يستمدّون سلطتهم من الله وليس من الناخب ! فالناخب، بالنسبة لهم ليس سوى تذكرة في اتجاه واحد: للوصول الى السلطة. والأمر في هذه القضية الحاسمة ليس قضية اتهام مبني على تكهّنات ؛ فعدا أنه لا توجد أية تجربة تخلّى فيها الاسلام السياسي عن السلطة، نزولا عند ارادة الناخب، فهذا نظام البشير في السودان، الذي هو أحد فروع تنظيم الاخوان المسلمين، لم يتردد في التفريط بوحدة السودان التاريخية وانفصال جنوبه، الذي يتحوّل اليوم الى قاعدة أميركية - اسرائيلية، على الاحتكام لمبدأ تداول السلطة، واقامة نظام ديموقراطي يساوي بين جميع مواطني السودان، بغض النظر عن قومياتهم واثنياتهم وأديانهم ؛والشيء ذاته يمكن أن يقال عن سلطة حماس، التي لم يستفد من قيامها الاّ الاحتلال الاسرائيلي، ولا أدلّ على ذلك من أن هذا الاحتلال جنّ جنونه لمجرّد الحديث عن استعادة الوحدة الفلسطينية. كانت حجة حماس، التي هي بدورها أحد فروع تنظيم الاخوان المسلمين، لتبرير انقسامها، أنها تتبنّى المقاومة التي تخلّى عنها الآخرون، لكن ما أن استقرّت في حكم القطاع حتى غدت أكثر الحريصين على التهدئة مع الاحتلال الاسرائيلي.
- تخلّى عن شعاراته السابقة
أما في مجال الحريات الديموقراطية والأحوال الشخصية والموقف من الأقليات، فالاسلام السياسي سيكون، في هذا الميدان، ردّة فعلية بالنسبة لما كان سائدا في أنظمة مبارك وبن علي وحتى القذافي ؛ وأول ضحاياه العنصر النسائي. وقد "بشّر" ناطق باسم الاسلام السياسي في ليبيا، باعادة السماح بتعدد الزوجات، التي كان نظام القذافي قد حرّمها. وفي مصر، تظاهر أدلاّء السياحة تخوفاّ وتحسبا على مستقبل عملهم من اجراءات التضييق المتوقّعة من سلطة الاسلام السياسي، والتي ستؤثر على قطاع السياحة في مصر، علما بأن السياحة في بلدان مثل مصر وتونس تمثل مصدرا أساسيا في الدخل الوطني. وتفيد الأنباء بأن آلاف الأقباط في مصر يفكرون جديا بالهجرة هربا من سلطة الاسلام السياسي الذي سيعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، في أحسن الأحوال، وسيكون هذا هو الموقف من مختلف الأقليات المتنوعة، من دينية وقومية واثنية، المنتشرة في العالم العربي، في ظل سيطرة الاسلام السياسي. وفي تونس، هاجمت عناصر من الاسلام السياسي احدى الجامعات لارغام بعض المحاضرات فيها على الرضوخ لاملاءاتهم "الأخلاقية" بما فيها ارتداء الحجاب. وفي الأراضي الفلسطينية، منعت حكومة حماس، عقب انتخابات 2006، فعاليات فنية جادة، وقرر وزير الثقافة الحمساوي – آنذاك – مصادرة كتاب من التراث العربي، بدعوى أنه يخدش الحياء!. أما في قطاع غزة، الذي تواصلت سلطة حماس فيه عقب الانقلاب الذي قامت به هناك، فالتضييقات متواصلة ومتفاقمة، منذئذ، وضحاياها تبدأ برواد شواطيء البحر ولا تنتهي بالمحاميات اللواتي يحذر ظهورهن أمام المحاكم دون حجاب. وهكذا، فالاسلام السياسي، في ميدان الحريات الديموقراطية والأحوال الشخصيى، والموقف من الأقليات، يمثل عودة بالمواطن العربي قرونا الى الوراء، بدل تسريع الخطى للحاق بالحضارة الانسانية.
أما العلاقة مع اسرائيل، فالاسلام السياسي، وقد أصبح على أعتاب السلطة، ولاسيما في مصر، فقد تخلّى عن شعاراته السابقة في هذا الصدد وأعلن التزامه بالمعاهدات والمواثيق الموروثة عن أنظمة مبارك والسادات، حتى لا يلزم نفسه باعادة النظر بمعاهدة كامب ديفيد الجائرة.كان هذا هو الموقف المعلن لحركة الاخوان المسلمين، ثم حاكاها في هذا الموقف حزب " النور" السلفي. وينبغي الافتراض بأن الالتزام بهذا الموقف في العلاقة مع اسرائيل هو أحد شروط الالتقاء مع واشنطن.
وبخصوص قضية الوحدة العربية، التي تمثّل طموحا دائما للشعوب العربية، فبيانات فصائل الاسلام السياسي ليس فقط تتجاهلها بالمرة، بل ولا تأتي حتى على ذكر التضامن العربي. فالبديل بالنسبة لها هو الخلافة، حتى ولو على شاكلة الخلافة العثمانية المنقرضة.
وهكذا، فالاسلام السياسي ليس جزءا من الحل وانما هو جزء من المشكلة. وأهداف ثورة التغيير الحقيقي تظلّ، من حيث الأساس، معلّقة تنتظر التحقيق، وبالتالي تظل المحرّك الديناميكي لاستمرار الحراك الشعبي. واذا كانت مجموعة عوامل قد فرضت حقبة انتقالية، بدل مباشرة تحقيق هذه الأهداف، كان في مقدمتها غياب القيادة الثورية المجربة لثورة التغيير منذ انطلاقها، فان محور الحقبة الانتقالية المقبلة سيمثّله الصراع بين القوى العلمانية والاسلام السياسي - وطبعا ليس الاسلام كدين وعقيدة - ولدى تجاوز المرحلة الانتقالية التي يمثلها صعود الاسلام السياسي، فان تحقيق أهداف ثورة التغييرسيأتي أولا، أعمق وأكثر راديكالية ؛ وثانيا سيأتي مقرونا بالاصلاح الديني.
لكن مدى هذه المعركة سيقرره، عدا العوامل الداخلية، الصراعات الأقليمية والدولية المتشابكة والمتبادلة التأثير؛ لاسيما وأن منطقة الشرق الأوسط تتحوّل بسرعة الى ساحة مواجهة، تستقطب قوى أقليمية ودولية متزايدة. فالولايات المتحدة المنهكة من حربي أفغانستان والعراق ومن أزماتها المالية والاقتصادية، تستجمع قواها، اليوم، وتعبيء حلفاءها في الناتو وأتباعها في المنطقة، وتباشر هجوما معاكسا، بأمل احتواء ثورة التغيير واجهاضها، وفرض مشروعها القديم :" الشرق الأوسط الكبير". ويمتد هذا الهجوم من ايران شرقا وحتى لبنان - المقاومة، غربا ؛ لكن تركيز هذا الهجوم منصبّ، حاليا، على سورية، لاستبدال النظام فيها، ليس بما هو أفضل منه، بل بآخر يفك ارتباط سورية بايران وحزب الله، كما صرّح الدكتور غليون، رئيس المجلس الوطني السوري، الذي تحتضنه هذه القوى المنغمسة في التآمر على سورية، وذلك قبل مرور وقت على استكمال انسحاب القوات الأميركية من العراق، خشية من نشوء حالة، ليس ينهار فيها هذا الهجوم المعاكس وحسب بل وتتحوّل فيها دول الخليج وعلى رأسها السعودية - التي تمثّل اليوم رأس الحربة في الثورة المضادة في المنطقة - الى هدف لرياح ثورة التغيير؛ واذ يعجزهذا الهجوم عن تحقيق أهدافه، تصاب واشنطن بالارتباك ؛ ففي وقت يدعو زعماؤها الى اسقاط النظام في سورية تعيد سفيرها لدى هذا النظام، وكان الفرنسيون والألمان قد سبقوها الى ذلك ؛ وكذلك هو حال تركيا اردوغان التي اوكل اليها دور القوة الاقليمية الولى في هذا الهجوم. من جانب آخر، كانت مشاعر الرعب من وصول رياح التغييرالى السعودية وبقية دول الخليج، هي وراء دعوة الملك السعودي، الآن، بتحويل مجلس التعاون الخليجي الى اتحاد سياسي – أمني.
- الحالة المتوترة مفتوحة
في اطار هذه المواجهة تتحرك الأساطيل الحربية الأميركية والروسية، وتشتد لهجة التصريحات المتبادلة، ما يذكر بأيام الحرب الباردة، مما يجعل هذه الحالة المتوترة مفتوحة على كل الاحتمالات. لكن هذه الهجمة المعاكسة لثورة التغيير تأتي في ظروف تغيّرت فيها الكثير من الوقائع على الأرض عما كانت عليه عام 1991 لدى شن حرب الخليج الثانية، التي تزامنت مع عملية تفكك وانهيار الاتحاد السوفياتي، بينما كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون يبدون في أوج قوّتهم، بل وعما كان عليه الحال لدى احتلال قوات الناتو لأفغانستان ومن بعد ذلك، الاحتلال الأميركي للعراق.
فالهجوم المعاكس الذي تقوده اليوم واشنطن يستنفر، وبقوة، كما هو ظاهر، كلا من روسيا والصين، دفاعا عن مصالحهما وبقائمها في هذه المنطقة البالغة الأهمية، من جانب أول ؛ وقوى اقليمية في مستوى ايران وحلفائها وامتداداتها من جانب ثان ؛ والشعوب العربية التي حطمت جدار الرعب وغدت لاعبا اساسيا في الساحة من الجانب الثالث؛ وكل ذلك يمنح الثقة باندحار هذا الهجوم المعاكس، آخر المطاف، لانطلاق شعوب المنطقة، أخيرا على دروب الحرية والتقدم والديموقراطية الحقيقية. وبهذا، تكون ثورة التغيير بداية لمرحلة جديدة في تطور الشعوب العربية المعاصر.
(انتهى)
