مصر قادرة على تجاوز المِحن.. (2-2)

single


*دوْر أميركا وأساليبها، وتصرفات بعض تنظيمات الإسلام السياسي*
 

*محمد مرسي و"تمرّد"


   
جرت الانتخابات الرئاسية، وفاز الدكتور محمد مرسي العَيّاط رئيسا لجمهورية مصر العربية، الأمر الذي أدخل الفرحة في نفوس كل الذين كانوا حينها في ميدان التحرير، لا سِيَّما أنّ منافسَهُ في الجولة الثانية، أحمد شفيق، كان محسوبا على "فلول" مبارك!...( أُطلِقَ هذا التعبير أصلا على الإخوان بعد محاولتهم اغتيال عبد الناصر العام 1954)!... أعطى مرسي في خطابه الأول يوم 30 حزيران 2012  انطباعا أنه رئيسٌ لكل المصريين... وأثار هذا الخطاب إعجاب هؤلاء وزاد من توقّعاتهم وفرحهم... غير أن تطورات الأوضاع في مصر، كشفت أن الرئيس مرسي يهتم بالأساس أن يكون رئيسا للإخوان فقط، وأنه يسعى، بتوجيهات المرشد العام للإخوان، إلى تسليط هؤلاء على كل المرافق، أي إلى ما دعاه المصريون "أَخْوَنَةِ الدولة"!. وبدا أنّ مصرَ، كَوَطَنْ، لا تعنيه ، وأن أبناء مصر المختلفين عنه في الدين لا يروقون له مُطلَقا، في أبسط تعبير!...
لأجل هذا، وبسبب خـيـبة الأمل والإحـبــاط، كثرت ونشطت حركات المعارضة، وبرزت بينهم حركة "تمرُّد" الشبابية، التي انطلقت من ميدان التحرير، يوم الجمعة 26.04.13 ، بقيادة الصحفي الشاب محمود بدر (28 سنة) المُنَسِّق العام لهذه الحركة، وتمكنوا من جمع تواقيع 22 مليون مصري، كما قالوا، لسحب الثقة من الرئيس مرسي، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة! لكن الرئيس ومعاونيه رفضوا هذه المطالب. لذلك خرج  ملايين المصريين في اعتصامات سلمية في الميادين بتشجيع من حركة تمرّد، وبالمقابل اعتصم مؤيّدو مرسي في ميدان رابعة العدوية والنهضة يطالبون بعودته إلى سُدّة الرئاسة!.. لقد دفعت هذه الاحتجاجات العنيفة، جيش مصر بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، والقائد العام للقوات المسلحة، إلى إعطاء الفرقاء المُهلة مرتين للتوافق، لكنهم لم يصلوا. وبدا، كما جاء في بيان الفريق السيسي من01.07.13، "أن الأمن القومي معرّض لخطر شديد.. وأن الشعب المصري الكريم عانى ولم يجد مَن يرفق به أو يحنو عليه، الأمر الذي يُلقي بعبء أخلاقيّ ونفسيّ على القوات المسلحة...". وفي الثالث من تموز، أعلِن عن عزل الرئيس مرسي، والتحفّظ عليه في أحد المرافق العسكرية السرية.

 

 

*نكهةٌ ناصرية*

 


منذ اللحظة الأولى لعزل مرسي، أعلنت أميركا، وردّدت في أعقابها دول أوروبية عديدة، أن ما أقدم عليه الجيش، هو انقلاب عسكريّ، وأن عزل مرسي مناهض للشرعية! ثم هددّت بإيقاف المساعدة المالية العسكرية لمصر، وأعلن أوباما إلغاء التدريبات العسكرية المشتركة مع الجيش المصري! وما أعاد إلى النفوس بعض الشعور بالكرامة الوطنية، الناصريةِ النكهة، هو موقف الحكومة الانتقالية المصرية، وموقف الشعب المصري من هذه التهديدات الأميركية. مصر ترفض بشدّة أي نوع من التدخل في شئونها الداخلية!! كذلك كان موقف السعودية المؤيد لمصر، والداعم لها ماديا، إلى جانب دول وإمارات الخليج الأخرى، عدا الإمارة العميلة قطر، موقفا مشجّعا ومفاجئا. إنني أتمنى فعلا أن لا يكون في موقف السعودية أيّ وجه من وجوه التنسيق مع أميركا! والتفتيش عن "المصالحة" مع مصر، بعد أن استنفدت أميركا جميع وسائل الصراخ عن "الشرعية" و"الإنقلاب"... فماذا تنتظر بعد؟
يبدو أن سرعة سيطرة قوى الأمن على أماكن وجود واعتصام مؤيّدي الرئيس مرسي، قد أذهلتهم وأغضبتهم، خاصةً وأن قياداتهم قد هربت واختبأت، وأن الآلاف من "المُجَنَّدين المُعتصمين" مقابل مائتَيْ جنيه يوميّا، قد هَرْوَلوا منسحبين مع عائلاتهم من ميدان رابعة في الطريق الآمن الذي حَدَّدَتْهُ قوات الأمن... فكانت ردود أفعال الإخوان عنيفة، دمويّة، وذات أبعاد وأهداف خطيرة!... أما هم فيقولون: إنهم تعرّضوا "لمجازر" ارتكبتها قوى الأمن أثناء فض الاعتصام، لذلك فإن كل عمل دموي قاموا به، إنْ هو إلاّ ردّ فعل على هذه "المجازر"!...
* كثّفَ الإرهابيون، هجماتهم الدموية في سيناء، وبلغت ذروة هذه الجرائم، إعدام 25 شرطيّ شاب، قيّدوا أيديهم وقتلوهم!... كذلك تكررت العمليات الإرهابية ضد قوى الأمن والجيش يوميا، ربما لإشغال هذه القوى في سيناء، بعيدا عن القاهرة ومراكز المدن!... أحد قادة الإخوان الذين كانوا معتصمين في ميدان رابعة العدوية، البلتاجي، صرّح مرارا أنه إذا أعيد الرئيس مرسي إلى رئاسته، فإن سيناء تهدأ خلال دقائق!  ماذا يعني هذا الكلام؟!
* هوجمت وأحرقت عدّة مراكز للشرطة، وفي بعضها قُتِلت عناصر هذه المراكز وضبّاطها، ومُثِّلَ في جُثثهم، كما حدث في كِرداسة وأسوان!!... الهدف من وراء هذه الهجمات البربرية، إلى جانب إثارة الرعب وترويع الناس، هو إشغال الشرطة ومنعها عن القيام بواجبها لحماية الناس، حتى يتمكن البرابرة من نفث سمومهم وأحقادهم...
* إقتحام عشرات الكنائس، وسرقتها وحرق البعض منها بالكامل، وترويع أبنائها وقُسُسِها. كذلك تحطيم وإتلاف وسرقة العديد من المنشآت الكنسية التربوية...
* الاعتداء الهمجيّ على المستشفى القبطي والعيادات والصيدليات وغيرها من ممتلكات المسيحيين، خصوصا في قرى الصعيد!
* عدم تمكين الإطفائيات، وسيارات الإسعاف من الوصول إلى أماكن الحرائق، لإسعاف المصابين، وإخماد الحرائق!
* وفوق كل هذه الموبقات والجرائم وأقذرها، كان تهديدهم بحرق مصر كلّها!!
فأين هؤلاء من الإسلام؟!  
هؤلاء الحاقدون ، لم يخجلوا، وهم يقترفون جرائمهم، من الزَّعيق بالتكبير والتهليل، ليوحوا أنهم إنما يُقدِمون على هذه الكبائر والفظائع، بدافع إيمانهم وإسلامهم!!
الإسلام الحنيف، أيها المنافقون، يقول: "إن استعمال القتل والترويع في الأعمال التخريبية، يُسمّى بِ"الحرابة". وهي إفسادٌ في الأرض وفساد. وفاعلها يستحق عقوبةً أقسى من عقوبات القاتل والسارق والزاني. لأن جريمته منهجٌ يتحرّك فيه صاحبُهُ ضد المجتمع".
لقد ترك الإسلام الناس على أديانهم، وسمح لهم بممارسة طقوسهم في دور عبادتهم، وضمن لهم سلامة دور العبادة، وأولى بها عناية خاصة، فحرَّم الاعتداء بكافة أشكاله عليها... وما ورد في سورة الحج (40-41) من القرآن الكريم، ما يؤكّد حِرْصَ الإسلام على حفظ  دور العبادة، من الصوامع (مصليات الرهبان) والبيَع (كُنُس اليهود) والصلوات (الكنائس) والمساجد (مساجد المسلمين)،التي يُذكر فيها اسم الله..
أما الرسول العربي الأمين، عليه الصلاة والسلام، فقد كتب لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران، وكهنتهم ورهبانهم ومَن تبِعهم، يقول: "إن لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير مِن بِيَعِهم وصلواتهم ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله، ألاّ يُغَيَّر أسقفٌ عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهنٌ عن كهانته، ولا يُغيَّر حقٌّ من حقوقهم، ولا سلطان ولا شيء مما كانوا عليه... غير مُثْقَلين بظُلمٍ ولا ظالمين"... 
 هل تعرفون الآن، أيها الأغبياء، سموَّ الإسلام ونقاءه وسماحتَه؟!
إذا كنتم على استعداد أن تتركوا جانبا ما لٌقّنَكُم  تجّارُ، أو بالحري، فُجّار الدين، فاقرأوا إذا العُهدةَ العُمَريّة، عهدة الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لبطريرك وسكان القدس، واللد وأهل وفلسطين أجمعين... وعودوا لعهد أبي عبيدة الجراح لأهل بعلبك وحمص وحلب، وعهد خالد بن الوليد لأهل دمشق، واسمعوا رسول الله يقول:
"ألا مَن ظَلَمَ مُعاهَدا أو انتقَصَهُ، أو كلّفَهُ فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طِيبِ نَفْسٍ، فأنا حجيجُهُ (أي خصمُهُ) يوم القيامة"... صدق رسول الله!
إنني أخشى، أن يكون ما تقومون به، هو جزءٌ أو كلٌّ من الدَّوْرِ المَنوطِ  بكم تجاه بلادكم ومواطنيكم، والذي رُسِمَ وخُطِّطَ له في أميركا، التي لا تستطيع أن تنال من مصر- وطنِكم – ومثوى آبائكم وأجدادكم، ومستقبل أبنائكم وأحفادكم، إلاّ بواسطة عملائها!...فبئسَ الدور الذي تلعبون، وبئس المال الحرام الذي تقبضون!!... أفيقوا من سُباتِكم. وحرّكوا ضمائرَكم. وتوبوا، فالله يُحب التائبين...

 

 

*وختـامـا*

 


     فإنني أبوس الأرض محبّةً واحتراما، تحت نِعال الإخوة المسلمين الذين شاهدناهم، أو الذين لم نشاهدهم، يحمون بأجسادهم كنائس الله، في قرى الصعيد ومراكزه، ضد هجمات البرابرة. وأقول لهم: لقد تصرفتم بقوّة من عند الله، وبفضل إيمانكم بالقيَم الروحية الإسلامية الحنيفة، ودافعتم عن هذه القيم أمام مَن لا يهمهم المس بدينهم أو بوطنهم ومواطنيهم!...هؤلاء لم يضعوا الله أمامهم، ولا يعترفون بوطن!... بارككم الله، وكَثَّر مِن أمثالكم، وعوّض محبّتكم وتعبكم بالخير لكم ولأسَرِكم ولمصر الكنانة الحبيبة بجميع مواطنيها... اللّهم، آمين!
ولعلّي لا أطلب المستحيل، إذا تمنيت أن نشهد ذلك اليوم، الذي يطمَئِنَّ فيه المسيحيون والمسلمون وكل المواطنين في مصر وغيرها من بلاد العرب على حياتهم ومعابدهم وبيوتهم وممتلكاتهم، ولا يكونون بحاجة إلى حماية أحد، سوى الله... ليس ما أتمناه مستحيلا أو صعب المنال! إنه متوفر في العديد من الدول المتحضّرة، أمّا نحن الذين ندّعي بأننا أصحاب ومُصَدّرو الحضارة، فيبدو أحيانا كثيرة فِعلا، أننا "لبسنا قشرةَ الحضارة، والروحُ جاهلية"!
كذلك، أُكْبِرُ وأُثمّنُ بكامل المحبة والاحترام، موقف الكنيسة المصرية القبطية، وسائر الكنائس المصرية، التي علّمَتْ مَن لا يعلم، من هم حقيقةً عملاءُ أميركا، وعلمت من لا يعلم أيضا، أن محبة مصر، والحرصَ على الوحدة الوطنية، ووأد بذور الفتنة الطائفية، ورفضَ كل تدخّل خارجي في شئون الوطن، هي في صميم إيمانها ومعتَقَدِها... "إذا حرقتم الكنائس، سنصلي في الجوامع، وإذا حرقتم الجوامع، سنصلي في الكنائس، وإذا حرقتم الكنائس والجوامع، سنصلي في الشوارع مع بعض، وِوِسْطِ بعض. أصلِ إحنا مصريين"! يقول قداسة البابا تواضروس، أطال الله عمره، وسدّد في البِرّ والحِكمة خُطاه... 
وأخيرا، كم أدعو الله، جلّت قدرتُه، أن يعطيَنا الرغبةَ الحقيقية، لنهتديَ بِهَدْيِهِ، ونسعى لتمجيده، وإعلاء كلمتِهِ بالموعظة الحسنة، بعيدا عن المنافع السياسية الحزبية، ودون أن نلطّخ صلواتِنا بالدّماء  والدَّمار والترويع... عندها سيحترم كل الناس أديانَنا، ويسود العدل والخير بلادنا... (انتهى)

 

 

//المراجع:


للتأكّد من بعض التفاصيل في هذا المقال، قمتُ بالاستعانة بموقعَيْ:
1. ويكيبيديا – الموسوعة الحرة
2. دار الإفتاء المصرية- الرقم المسلسل 3520 (تحريم الاعتداء على الكنائس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ترامب يكتشف أمريكا

featured

لبنان .. وحقوق اللاجئين الفلسطينيين

featured

الحق الفلسطيني عملاق هذا العصر

featured

في مرتبة الشهداء

featured

أميركا تقتل أبناءها

featured

ماذا تتضمن رسالة هيلاري كلينتون للمنطقة

featured

الدولة العلمانية والمسألة الدينية : تركيا نموذجًا