(مداخلة فكرية تحليلية – الجزء الثاني والأخير)
قامت العلمانية على امتداد القرن العشرين بدور حاسم في المجتمع التركي يشبه إلى حدّ كبير الدور الحاسم الذي قامت به الليبرالية في أوروبا
على كل حال، أرى، بصورة عامة، في وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة ديمقراطيًا وسلميًا، لحظة نضج للتجربة التركية مع الجمهورية الكمالية ومع الدولة العلمانية ومع الآليات الديمقراطية كما تطوّرت ونمت كلها خلال القرن العشرين ومنذ بداياتها المتواضعة والمتردّدة وعبر تحولاتها الصعبة ومراحلها الخطرة. إنها لحظة نضج ليس للعلمانية التركية وآلياتها الديمقراطية فقط (على ضعف الأخيرة سابقًا)، بل ولإسلامها السياسي أيضًا. كما يبدو لي أن اللحظة ذاتها تنطوي على احتمالات جيدة لتجاوز ديمقراطي أرقى لمعاني الكمالية والأتاتوركية الكلاسيكية بعد أن استنفدت تلك المعاني أغراضها التاريخية وحققت أهدافها الأكبر على ارض الواقع.
أقول هذا لأنّ العلمانية قامت على امتداد القرن العشرين بدور حاسم في المجتمع التركي يشبه إلى حدّ كبير الدور الحاسم الذي قامت به الليبرالية في أبرز المجتمعات الأوروبية الغربية حتى الحرب العالمية الأولى. أقصد بهذا التشبيه: تثبيت الجمهورية ومؤسساتها وقيمها. تثبيت الحكم الدستوري حتى في المَلَكيات الوراثية. تثبيت فصل السلطات والدفع به قدمًا. تثبيت استقلال القضاء. تثبيت فكرة المواطنة والمواطنية وتوطيد قيمها. تثبيت حقوق المواطن والمواطَنَة والحريات العامة المعروفة. تثبيت عملية التداول السلمي للسلطة حيث تحكم الاكثرية السياسية الانتخابية مع حفظ حق الأقلّية السياسية الخاسرة في اعادة تشكيل نفسها كأكثرية انتخابية جديدة وبحيث لا تعود أية أكثرية قادرة على الاستبداد بنفسها وبشعبها وبمجتمعها، ومن قال إنّ الأكثرية لا تستبد؟ هذه هي الإنجازات الليبرالية التي أُعجب بها أيّما إعجاب رفاعة رافع الطهطاوي (وأحفاده فيما بعد) في باريس (6)، هذا على الرغم من أننا نعرف اليوم مدى التسلّط الطبقي الذي مارسته تلك الليبرالية على المجتمع عمومًا ومدى قصور ديمقراطيتها في ذلك الحين ومدى محدودية شعبيتها الانتخابية هي أيضا في تلك الأوقات.
شيء شبيه يقال في إنجازات العلمانية الاتاتوركية التي أعجب بها رجالات السياسة والفكر والأدب والإصلاح في العالم العربي في تلك الحقبة كما عبّر عن ذلك أمير الشعراء في ذلك الزمن أحمد شوقي في بيت شعر شهير ما زال في ذاكرتنا الجماعية إلى اليوم شبّه فيه مصطفى كمال وفتوحاته بخالد بن الوليد بقوله:
الله أكبر كم في الفتح من عجبٍ يا خالد التركِ جدد خالد العربِ
هذا كله، على الرغم مما نعرفه اليوم عن مدى تسلطية تلك العلمانية على المجتمع التركي في البدايات وعن النقص المريع في ديمقراطيتها ومحدودية شعبيتها في تلك الأوقات. من هنا استنتاج الدكتور علي حرب بأن حزب العدالة والتنمية وقادته "هم في النهاية ثمرة النظام الجمهوري العلماني والديمقراطي، أيًا كانت شوائبه وأعطاله : ولولاه لم يكونوا في مكانهم الآن، بل في السجن أو المنفى أو القبر، كما هي مصائر الساسة في أكثر دول العالم العربي، على اختلاف اتجاهاتهم" (7).
وأودّ الإشارة هنا إلى أن الزميل الباحث صقر أبو فخر قد لحظ بعض هذه النقاط (مع قسوة أشدّ على علمانية أتاتورك بسبب ديمقراطيتها المفقودة) في دراسته "التحول التركي الكبير: "خرافة العثمانية الجديدة"" (9)، منبّهًا إلى أن الديمقراطية بلا علمانية كما العلمانية بلا ديمقراطية لا بدّ أن تؤديا إلى شكل من أشكال الاستبداد الشمولي أو الحكم العسكري ومستنتجًا أن الهند هي "الدولة الكبرى الوحيدة في آسيا التي تمكنت من دمج قيم الديمقراطية بقيم العلمانية في نسق دستوري واحد" في القرن العشرين. ويبدو لي بأنه يجوز لنا القول الآن إنّ تركيا قد نجحت هي أيضًا، مع بدايات القرن الواحد والعشرين، في تحقيق دمج تطوري مشابه لقيم الديمقراطية بقيم العلمانية في نسق دستوري وسياسي واحد ولكن عبر مسار تاريخي متعرّج من نوع آخر تمامًا.
أصاب صقر كذلك حين اعتبر أن ما يسمى أحيانا بـ"العثمانية الجديدة" هو اقرب إلى الأسطورة منه إلى الوقائع في الجانب التركي، مؤكدًا بأنه إن كان هناك أية "عثمانية" لدى حزب العدالة والتنمية فهي بالتأكيد ليست عثمانية "جغرافية" أو حتى محاولة مباشرة أو غير مباشرة للهيمنة الإقليمية، بل إنها لا تعدو كونها إعادة تموضع تركية سياسية جديدة، ناجحة وفعالة، في مجال إقليمي أوسع من حدود تركيا الحالية، على حد تعبيره.
أما الحنين المعروف به الإسلام السياسي العربي إلى الخلافة والسلطنة والولاية والإمامة والعصر الراشدي وتوقه الحالي المستجد إلى إقامة "فراديس إلهية" على الأرض (على حدّ تعبير الدكتور علي حرب) فهما غائبان كليا عن ما يقال أنه "العثمانية الجديدة" في تركيا اليوم.
في المقلب الآخر، تشكل العثمانية الجديدة في الجانب العربي أسطورة - وفقا لما المسه – ولكن بمعنى آخر للأسطورة، أي بمعنى بروز توجه أيديولوجي (بالمعنى الأسوأ للايدولوجيا) يعمل على تفصيل "الحقيقة" وإعادة تفصيلها على قياس طبيعة اللحظة السياسية الحاضرة في علاقات الأنظمة والحكومات العربية بتركيا حزب العدالة والتنمية وبما يتناسب آنيا معها. بطبيعة الحال، لا علاقة لعملية التفصيل وإعادة التفصيل هذه بحقائق التاريخ أو بوقائع التأريخ كما أنها لا تأبه البتة - بسبب من طبيعتها الأيديولوجية الزائفة – باحتمالات أن تكون اللحظة السياسية التي تُفصل "الحقيقة" على قياسها الآن هي لحظة طارئة أو عابرة أو مؤقتة أو انتهازية مما سيستدعي حتما إعادة للتفصيل مجددا وبأقصى سرعة ممكنه وبمقاسات مغايرة تماما أو معاكسة كليا "للحقيقة" التي كان قد تم تفصيلها قبل قليل.
لذا نشاهد العثمانية الجديدة في الجانب العربي وهي تهرع بحماسة فجائية أصابتها لاستكشاف قبر امرئ القيس عند تلة بالقرب من العاصمة التركية أنقرة بغرض تحويله إلى مزار يجذب السياح والحجاج. كما نشاهدها وقد أخذتها حمية طارئة وعاجلة ومفتعلة إلى اهتمام غير مسبوق بالآداب والفنون والعلوم والثقافة التركية في الوقت الذي كان فيه الانتباه العربي الطبيعي والتلقائي يتمحور، بصورة رئيسية، على الثلاثي: ناظم حكمت وعزيز نسين واورخان باموك بالنسبة للإنتاج الأدبي التركي. ومعروف أن هذا الثلاثي غير مغرم بالعثمانية عموما كما أن العثمانية ذاتها لا تحبه هي بدورها ولا ترحب به.على سبيل المثال، كان الزميل فاضل جتكر قد نقل إلى العربية عن اللغة الأصلية رواية باموك الأولى "جودت بيك وأولاده" (1982) منذ زمن بعيد وقامت وزارة الثقافة في سوريا بنشرها سنة 1989.
لا يمكن للعثمانية الجديدة هذه إلا أن تضع علامات سؤال واستفهام كبيرة جدا على الثورة العربية الكبرى لسنة 1916 وعلى "حقيقتها"، علما بان عملية الاستفهام والسؤال هنا هي من النوع الذي لا يهتم بمسائل التاريخ العربي الحديث ومساءلاته الجدية أو باستفهامات علم التأريخ وأسئلته العلمية المشروعة والمشرعة دومًا. لذا لن نعجب إذا ما غاب الاستفهام الأيديولوجي هذا فجأة عن الوجود او انسحب بعجلة من الساحة أو انقلب إلى عكسه تماما بسرعة فائقة مع تراجع اللحظة السياسية العابرة التي تم تفصيله من اجلها وعلى مقاسها.
لا تكره عثمانيتنا الجديدة هذه جمعية الاتحاد والترقي وقادتها وضباطها، على سبيل المثال، لأنهم اضطهدوا في زمانهم الفكرة العربية ورجالاتها وحاربوهم جميعا أو لأنهم جربوا التتريك في الأراضي العربية التي كان ما يزال لهم سلطة عليها، بل بسبب من علمانية قادة الاتحاد والترقي وقوميتهم وتقدميتهم وتحديثيتهم، أي بسبب من كل ما صنع تركيا اليوم وأوصلها إلى ما هي عليه في الوقت الحاضر.
ولا نعرف بعد ما الذي ستفعله علامات السؤال والاستفهام التي أخذت ترفعها عثمانيتنا الجديدة هذه بـ"عيد الشهداء" (6 ايار – مايو 1915) و"حقيقته" وبساحات الشهداء التي تخلد ذكراهم في قلب عواصم عربية مثل بيروت ودمشق وماذا يمكن لها أن تفعل بصورة جمال باشا السفاح عربيًا، أو بصورة مدحت باشا الملقب بأبي الأحرار وأبي الدستور، في عالم أراد فيه العرب وما زالوا يريدون أن يكونوا أحرارًا وأن تكون لهم دساتير محترمة. وستكون على المحك كذلك "حقائق" أدب ممدوح عدوان ولا سيما مسرحيتيه "الغول" و"السفربرلك" وروايته المعروفة "أعدائي".
في الجدل العربي الدائر حاليًا حول هذه المسائل كثيرًا ما يعاب على العلمانية التركية بأنها قامت واستمرّت بإرادة سلطوية وليس بإرادة شعبية مُعَبَّر عنها ديمقراطيًا. تكمن المشكلة في هذا النقد في سطحيته التاريخية لأنه يتناسى ويهمل كليًا أن تلك العلمانية قامت في اللحظة الكاريزمية المنتصرة والمؤسِّسة للجمهورية التركية وليس بإرادة سلطوية وتسلطية متعالية بالمعنى العادي للعبارة وكما يريد أن يوحي أصحاب المأخذ المذكور.
ولا بأس من التذكير هنا بأن الخلفية التي صنعت تلك اللحظة الاستثنائية كانت انهيار ما تبقى من الدولة العلية الهرمة – أي الموت العنيف لرجل أوروبا المريض – ووقوع الأرض التركية بأكملها تحت الاحتلال الأجنبي، من جهة أولى، ونجاح أتاتورك في قيادة حراك شعبي وعسكري جبار نجح في طرد جيوش الحلفاء بأجمعها من البلاد وفي تطهير أرضها من الاحتلال الأجنبي، من جهة ثانية. أي أن القرارات الكبرى والدراماتيكية لتلك المرحلة مثل: إلغاء الخلافة والسلطنة، إنشاء الجمهورية، فصل الدين عن الدولة، العمل سياسيًا بآليات النظام الديمقراطي التمثيلي الانتخابي على محدوديتها، كتابة اللغة التركية بالأحرف اللاتينية بدلاً من الخط العربي وغيرها جاءت كلها بإرادة سلطوية هي ابنة تلك اللحظة الكاريزمية المؤسِّسة والمنتصرة مما يفسر ديمومة تلك القرارات وفاعليتها واستمراريتها وتجذرها وتقبل الإرادة الشعبية لها وإن كان على مضض في كثير من الأحيان ومع ممانعة قوية في أحيان أخرى. كما أنه يجب أن لا ننسى أن تلك القرارات الجذرية والحاسمة لم تهبط من السماء بصورة مفاجئة أو تنبع من إرادة سلطوية تعسفية بدون سابق إنذار، بل شكلت، في الواقع، امتدادًا جريئًا وطبيعيًا ومنطقيًا لمرحلة سابقة مديدة في حياة ما تبقى من الإمبراطورية الهرمة هي مرحلة البيريسترويكا العثمانية التحديثية المعروفة باسم "التنظيمات". ولما كانت حركة التنظيمات هذه قد فعلت فعلها التحديثي الأقوى والأكبر في مركز الإمبراطورية وليس في أطرافها تمكن المركز التركي من تحرير نفسه – بقيادة مصطفى كمال – من الاحتلال الأجنبي والاستعمار والتجزئة فيما وقعت الأطراف العربية المتبقية فريسة سهلة لهذه الشرور كلها.
على المستوى العربي، لنتصور، على سبيل المثال، الرئيس جمال عبد الناصر في لحظته الكاريزمية المؤسِّسة لقامته ولزعامته الكاسحة، أي لحظة تأميمه قناة السويس وانتصاره سياسيًا ودوليًا وعالميًا على جيوش العدوان الثلاثي الغازية والمحتلة للأرض المصرية سنة 1956، وكيف كان سيكون تلقي الإرادة الشعبية والجماهيرية العربية يومها لأية قرارات إصلاحية دراماتيكية جريئة وتحررية كان يمكن أن يتخذها، كإرادة وسلطة، في أي شأن من شؤون دنيا مصر والعرب ودينهم في تلك اللحظة الاستثنائية المنتصرة.
أعرف رأيًا للزميل الدكتور فهمي جدعان يعيب فيه على الفكرة العلمانية منبتها المسيحي الأقلوي حيث يقول: "يجب أن نضع هنا الحدود والفوارق والتمايزات، ما بين المفكرين المسلمين، والمفكرين المسيحيين. فالقضية الأساسية التي كانت لدى المفكرين المسيحيين، في تلك الفترة، هي قضية المِلَل والأسس الاجتماعية والسياسية التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع. وعلينا أن نقرّ: بأن المفكرين المسيحيين لم يكونوا مرتاحين لأوضاعهم في الدولة العثمانية، ولم يكونوا أيضًا مرتاحين لمبدأ أن تكون المرجعية الاعتقادية في الدولة مرجعية دينية إسلامية. وبحكم اعتقادهم المسيحي… فإنهم تمثلوا بسهولة القيم الغربية ووجدوا في مسألة فصل الدين عن الدولة… حلاً مثاليًا لأوضاعهم الخاصة، ولذلك كانوا يدعون بقوة إلى بناء الدولة على أسس مدنية بحتة" (8).
أما المشكلة في هذا الرأي، الشائع جدًا عربيًا وإسلاميًا، فتكمن في عدم تنبه صاحبه المتعمَّد الى ازدواجية المعايير التي ينطوي عليها، علمًا بأننا نحن العرب لا نكلّ ولا نملّ من توجيه تهمة ازدواجية المعايير إلى الغرب والتشنيع عليه بها. فالأقلّية المسلمة في الهند، على سبيل المثال وليس الحصر (وهي ليست قلة قليلة، بل يزيد تعدادها عن 150 مليون نسمة)، هي اكبر متمسك بعلمانية الدولة الهندية وديمقراطيتها الانتخابية وأهم مدافع عنهما واقوي مروّج لهما ولأسسهما المدنية البحت. ولا اعتقد أن تلك الأقلّية يمكن أن ترضى، في يوم من الأيام، بغير ذلك من الأسس لكي تقوم عليها الهند ودولتها سياسيًا واجتماعيًا وأيديولوجيا في زماننا الحاضر. وباستخدام المنطق ذاته الذي يستعمله د. جدعان في محاصرة الفكرة العلمانية العربية يمكن للقوى الهندوسية الأصولية أيضًا محاصرة الفكرة العلمانية الهندية وتطبيقاتها بادعاءات مشابهة مما سينقلب شرًا مؤذيًا على الأقلّية المسلمة هناك وعلى السلم الأهلية في البلاد اجمع. كما يمكن لتلك القوى اتهام الأقلّية المسلمة بأنه بسبب من عدم ارتياحها لمبدأ أن تكون المرجعية الاعتقادية في دولتها مرجعية دينية هندوسية أو بوذية أو سيخية فإنها – أي الأقلّية المسلمة – تمثلت بسهولة القيم الغربية ووجدت في مسألة فصل دين الأكثرية الهندية عن الدولة حلاً مثاليًا لأوضاعها الخاصة. لذا أقول للدكتور جدعان ومن يأخذون برأيه: يبقى الأفضل في عالم اليوم أن نعامل الناس كما نُحب أن يعاملوننا.
ولنلاحظ أيضًا في هذا السياق أن الأقلّية السنية في العراق اليوم هي التي تجاهر برفضها القاطع للدولة الدينية هناك (دولة ولاية الفقيه أو نائب الإمام) وبدعوتها القوية إلى إرساء دعائم دولة عراقية علمانية مدنية تكون لكل مواطنيها استنادًا إلى أولوية المواطنة العراقية المحايدة دينيًا وطائفيًا ومذهبيًا وإلاّ فإن السيناريو الأسوأ هو الذي سيسود في البلد. وكي لا يسود السيناريو الدموي الأسوأ أرجح بأن صناديق الاقتراع في العراق سوف تميل بشكل ملحوظ ومتزايد لصالح الاتجاهات التي تعمل على تعزيز الملامح العلمانية للدولة العراقية الجديدة وعلى دعم طابعها المدني. من هنا تحول شخصية علمائية سنية عراقية مرموقة مثل حارث الضاري إلى داعية قويّ للعلمانية في العراق وللدولة المدنية فيه والى رافض متشدد لفكرة الدولة الدينية – الإسلامية هناك.
(III)
ترك النضج السياسي والديمقراطي الذي حققه تطور التجربة التركية العلمانية أثرًا هامًا وقويًا ومباشرًا في العالم العربي وفي قواه السياسية وتياراته الفكرية ونخبه الاجتماعية وفعالياته الاقتصادية. أو على حدّ تعبير الدكتور علي حرب "فقد باتت تجربة هذا الحزب (العدالة والتنمية) في البناء والتحديث مادة للتأمل والتدبر، خاصة من جانب العرب والمسلمين، الذين يهتمون بتحليل أبعادها ودلالاتها لاستخلاص دروسها وعبرها" (10).
فاليسار العربي عمومًا كان على خصومة عالية مع تركيا أثناء الحرب الباردة ورافض لتوجهاتها الداخلية والخارجية بسبب من (أ) عضويتها في حلف الناتو (الحلف الأطلسي) (ب) تحالفها الوثيق مع الغرب في الحرب الباردة (ج) مناوأتها للاتحاد السوفيتي وللحركات والأفكار الاشتراكية والشيوعية محليًا ودوليًا (د) علاقاتها الطيبة بإسرائيل (و) نزاعاتها المائية والحدودية مع دولتين عربيتين مركزيتين هما العراق وسوريا.
بعد انتهاء الحرب الباردة وتراجع الكتلة الأكبر من اليسار العربي – بما في ذلك أحزاب شيوعية كثيرة – إلى خط دفاعه الثاني، أي إلى الخط الذي يعطي الأولوية لبرنامج يلتف حول حقوق الإنسان، المواطنة، الحريات العامة، العلمانية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية والتوزيعية، المحاسبة والمساءلة والدفاع عنها كلها، فقد تغيرت علاقة هذا اليسار جذريًا بكل ما تمثله التجربة التركية وتعنيه ولا سيما بعد استلام حزب العدالة والتنمية السلطة بهذا الشكل السلمي الديمقراطي المبهر وغير المعهود في منطقتنا كلها، وبخاصة بعد الإصلاحات التشريعية التي رعى الحزب إصدارها والتي تلتقي مع أولويات البرنامج المدني الذي تبناه اليسار المذكور وأخذ يدافع عنه ويطالب بوضع بنوده موضع التنفيذ. بعبارة أخرى، إذا أراد هذا اليسار أن يؤشر إلى بلد إسلامي يتحقّق فيه شيء من هذا البرنامج بحدود معقولة أو مقبولة نسبيًا لما وجد أفضل من النموذج التركي حاليًا.
ومعروف كذلك، أن اليمين العربي الديني بتياره العريض – بما في ذلك الأخوان المسلمين بطبيعة الحال – كان هو أيضًا يكره التجربة التركية كره العماء بسبب من كماليتها المعروفة وعلمانيتها المتقدمة وتصفيتها لمؤسسة الخلافة وتوجهها الغربي – الأوروبي الحداثي على المستوى الاجتماعي بالإضافة إلى علاقاتها القوية بإسرائيل. أما الآن، فإن السؤال الذي يطرحه الإسلام السياسي العربي هذا على نفسه وعلى ضوء ما آلت إليه تجربة الإسلام السياسي التركي في الجمهورية الكمالية العلمانية المحتقرة سابقًا، فيقول: لننظر أين هو الإسلام السياسي التركي اليوم وأين هو الإسلام السياسي العربي اليوم؟ لننظر في ماذا يرفل الإسلام السياسي التركي الآن وفي ماذا يتخبّط الإسلام السياسي العربي في الوقت الحاضر؟
ويعرف كل مراقب ومتابع أن مناقشات نقدية واسعة ومراجعات كبيرة ونزاعات حادة تتفاعل الآن في وسط تيارات الإسلام السياسي العربي في محاولة منه للتعامل مع هذا النوع من الأسئلة والتساؤلات ومع الأزمة الحادة التي خلّفتها. على سبيل المثال، لا أعتقد أن الخطاب الذي انطوى عليه مشروع إصلاح المجتمع والدولة في مصر الذي أطلقه الإخوان المسلمون في القاهرة في شهر آذار-مارس سنة 2004 (تحت عنوان "مبادرة الإخوان المسلمون للإصلاح الشامل في مصر") كان يمكن ان يكون او أن يصدر بدون ما آلت إليه تجربة الإسلام السياسي التركي المرنة مع الدولة العلمانية ومع الديمقراطية الانتخابية ومع المجتمع المدني في تركيا. تخلى مشروع الإصلاح الشامل في مصر كليًا عن الخطابات والدعوات الإخوانية المعهودة من نوع: "القرآن دستورنا"، "التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية"، "الإسلام هو الحل" وما إليه لصالح خطاب يحاكي بالتفاصيل إجراءات حزب العدالة والتنمية في تركيا ويقلِّد دعواته ومشاريعه وإصلاحاته وسياساته وقيمه حتى أنك تظن للحظة وأنت تقرأ بعض فقرات "مبادرة الإصلاح الشامل" المصرية وكأنك أمام نص منتزع من أحد كتب ديديرو (Diderot) أو مونتسكيو (Montesquieu) دون أن يعني ذلك بأني أصدق كل ما أقرأ.
أما الوسط القومي في العالم العربي فلم يكن يومًا أقل إدانة لتركيا وتجربتها وسياساتها من الطرفين الآخرين المذكورين وللأسباب ذاتها في معظم الأحيان يضاف إليها : (أ) لوم التيارات القومية – وخاصة في سوريا – الاحتلال التركي المتخلف (على حدّ تعبيرها) على حال التأخر الحضاري والعلمي والثقافي والإنتاجي الذي وجد العرب أنفسهم فيه في القرن العشرين؛ (ب) ما تختزنه الذاكرة العربية المحلية من تصورات ومشاعر معادية لحملات التتريك التي أدارها المركز في بدايات القرن الماضي؛ (ج) الاضطهاد الذي تعرضت له الفكرة العربية ورجالاتها في ذلك الحين من جانب الدولة العلية المنهارة (د) النزاعات الإقليمية على الحدود السيادية والسياسية والحقوق المائية التي نجمت كلها عن ما أسفرت عنه الحرب العالمية الأولى من نتائج إقليمية ودولية.
أما اليوم، فأعتقد أن هذا الموقف القومي العربي السلبي من التجربة التركية عمومًا وتاريخًا قد طرأت عليه تبدلات كثيرة في اتجاهات أكثر ايجابية أولا، على ضوء النجاحات البارزة التي تمكنت من تحقيقها الفكرة القومية التركية وخاصة على صعيد خدمة المصالح القومية العليا للأمة والدولة وثانيًا، على ضوء الإخفاقات المأساوية التي لازمت الفكرة القومية العربية بالمقابل وخاصة على صعيد خدمة المصالح العليا للأمة كما درجت على رؤيتها الحركات القومية العربية إياها. فهل من درس وعبرة لنا في ذلك كله كعرب أحياء اليوم، لا سيما وأننا ما زلنا هاملت (Hamlet) القرن العشرين وما بعده بامتياز.
الهوامش:
6- معروف أن الإنجازات الليبرالية المذكورة كان غرضها الأكبر هو الحؤول دون عودة الحكم المطلق والاستبداد إلى تلك الدول والمجتمعات، وهو الاستبداد الذي رفضه عبد الرحمان الكواكبي رفضا قاطعا وأدانه أشدّ الإدانة عندنا. جدير بالذكر كذلك أن الطهطاوي كان قد ترجم الدستور الفرنسي لذلك الزمن بندا بندا بسبب من إعجابه الكبير بما وجد فيه (أي الدستور) من مبادئ "العدل" و"الإنصاف"، على حدّ تعبيره.
أضاع اليسار العربي منذ منتصف القرن العشرين كل فهم دقيق أو استيعاب موضوعي لليبرالية الكلاسيكية ولمنجزاتها التاريخية عبر اختزالها بفكرة واحدة تقول بـ"عدم تدخل الدولة في الاقتصاد".
7- علي حرب، "تواطؤ الأضداد: الآلهة الجدد وخراب العالم"، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2008، ص 252.
8- صقر أبو فخر، "التحول التركي الكبير: "خرافة العثمانية الجديدة""، مجلة "معلومات" الصادرة عن جريدة "السفير"، بيروت، عدد 73، كانون الأول- ديسمبر، 2009، ص 148-149.
9- علي العميم، "العلمانية والممانعة الإسلامية: محاورات في النهضة والحداثة"، دار الساقي، بيروت، ط 2، 2002، ص 129.
10- "تواطؤ الأضداد"، مرجع مذكور سابقًا، ص 248.
