الذين لم يلحظوا مشاركة السفير الأميركي في اجتماع الرئيس علي عبد الله صالح مع قوى المعارضة اليمنية ، ولم يدركوا التدخل الأميركي الأوروبي لكبح جماح قوات الرئيس معمر القذافي التي كانت ستحسم المعركة مع قوى المعارضة المسلحة ، ولم يفهموا مغزى النصيحة الأوروبية للرئيس بشار الأسد بضرورة أن يستمع لمطالب شعبه ، لا يدركون ما سبق وأن قلته أن هنالك ثلاثة عوامل تصنع الثورة الشعبية العربية وتعمل على إنجاحها باتجاهين ، الأول أن تكون البلدان العربية ذات النظام الجمهوري ، ذات رؤساء منتخبين عبر صناديق الاقتراع ، على قاعدة تداول السلطة ،والثاني أن تكون البلدان العربية ذات النظام الملكي ، ذات حكومات برلمانية حزبية تتشكل وفق الأغلبية البرلمانية .
ومن يرفض ، من يتلكأ ، "راح يروح" كما حصل مع الرئيسين زين العابدين بن علي، وحسني مبارك .
عوامل صنع الثورة ثلاثة ، هي :
الشعب والجيش والقرار الدولي ، ولا ثقل لعامل دون العاملين الآخرين ، فالعوامل الثلاثة متكاملة ، كل منها يؤدي دوره ، من أجل الوصول إلى الهدف ، والهدف جمهوريات منتخبة ، وملكيات دستورية ، وكلاهما مصدر شرعيته صناديق الاقتراع .
الشعب هو صاحب المصلحة الأولى ، ولذلك عبر معاناته وصلابته وتضحياته ، ومن خلال احتجاجاته المدنية ، يؤدي الدور الذي يعكس مصلحته ورغبته وتطلعاته .
والجيش يلعب الدور الحامي لطرفين ، الأول حماية المتظاهرين من قمع أجهزة الأمن مما ولّد الانطباع لوجود تماثل بين الشعب والجيش وأنهما في خندق واحد ، والثاني حماية مؤسسات الدولة الدستورية من الانهيار لعدم تكرار التجربة العراقية .
أما القرار الدولي (الأميركي الأوروبي) فجاء عبر نصائح معلنة أو مخفية من قبل الأميركيين والأوروبيين لعدم قمع المتظاهرين والسماح لهم بحرية التعبير والاحتجاج ، إلى التهديد بوقف المساعدات المالية عن النظام المأزوم أصلاً ، إلى المطالبة برحيل الرئيس المعني بعد رفع الغطاء الدولي عنه ، ليتولى بعدها الجيش مهمة قول كلمة الفصل بتنفيذ هتافات المتظاهرين "ارحل" .
البلدان العربية بوضعها السياسي والاقتصادي والامني يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات، هي :
أولاً : تلك البلدان التي تتلقى المساعدات المالية ( المدنية والعسكرية ) من الغرب الأميركي والأوروبي ، والمساعدات تذهب إلى ثلاث مؤسسات في كل بلد عربي أولاً للمؤسسة المدنية (الخزينة) وثانياً للمؤسسة العسكرية (للجيش والأجهزة الأمنية ) وثالثاً لمؤسسات المجتمع المدني، وكل مؤسسة تحصل على المساعدات المالية بمعزل عن المؤسسة الأخرى ، وتوفر هذه المساعدات النفوذ والتأثير للغرب على أداء وسياسة وعمل هذه المؤسسات ، وبالتالي تستمع للنصائح في الوقت المطلوب ، وهذه البلدان هي موريتانيا والمغرب وتونس ومصر وجيبوتي ولبنان والأردن وفلسطين واليمن .
ثانياً : مجموعة البلدان الخليجية الستة (السعودية وقطر وعُمان والبحرين والإمارات والكويت)، التي لا تتلقى مساعدات مالية ، ولكنها تحتاج إلى الحماية العسكرية والأمنية الأميركية والأوروبية ، خشية اجتياحها من بلدان مجاورة كما حصل للكويت من قبل العراق ، وهذه البلدان تدفع ثمن حمايتها الأمنية والعسكرية ، وبسبب ثرائها وضعفها ، فهي تستمع للنصائح الأميركية الأوروبية، حتى تواصل حياتها وأمنها واستقرارها ولكنها لا تستمد بقاءها بمعزل عن القواعد والحماية الدولية من قبل الولايات المتحدة وأوروبا .
ثالثاً : الدول العربية التي لا تتلقى المساعدات المالية من قبل الدول المانحة ، ولا تحتاج للحماية الأمنية الأميركية الأوروبية ، ولكنها تسعى لتحسين علاقاتها مع الغرب من أجل إزالة اسمها من قائمة الدول الشريرة الراعية للإرهاب ، وهي الجزائر والسودان وسوريا والعراق (قبل الاحتلال) .وتدفع هذه الدول ثمن مساعيها لتحسين علاقاتها بالغرب ، ولكن تأثير الغرب عليها محدودٌ ، ويختلف عن تأثير الغرب على دول المجموعتين الأولى والثانية .
لقد نجحت العوامل الثلاثة ، في تونس ومصر في تحقيق أهدافها بإسقاط سلطة الرئيسين وإجراء التعديلات الدستورية المطلوبة ، والعمل جارٍ من أجل جمهوريات ذات رؤساء منتخبين عبر صناديق الاقتراع ، ولكنها تعثرت في ليبيا لأن نفوذ الغرب متدني داخلياً على الوضع الليبي، وزاد الوضع سوءاً انشقاق المؤسسة العسكرية ونجاح القذافي في استيعاب الانقسام ، واتخذ سلسلة من المبادرات الهجومية كادت تنهي الثورة ، وهو وضعٌ ونتيجة إذا تحقق لن يعطل مسار الثورة في ليبيا وحسب ، بل ستنعكس آثارها على باقي البلدان العربية وستؤدي إلى عرقلة مسار الخطة والهدف واستمرارية الثورة العربية ، في تغيير نمط الحكم في باقي البلدان العربية ، ولذلك حسم الغرب المتردد موقفه واتخذ أشكالاً من التدخل العلني ، لتقويض قوة القذافي وتدمير قدراته الهجومية ، وترك أمر حسم الوضع على الأرض لصالح قوى الثورة الشعبية .
في اليمن لا يختلف الوضع كثيراً عن تونس ومصر ، ولكن التعقيدات اليمنية ، كمجتمع قبائلي غير مدني ووجود ظواهر مسلحة مسبقاً ، سواء لدى الناس أو لدى الحوثيين ، و لدى القاعدة عزز من المخاوف التي أثارها الرئيس علي عبد الله صالح ويسعى لتغذيتها ، ولكن اليمن في حصيلته لن يكون بعيداً عما حصل في كل من تونس ومصر ، لأن اليمن بمؤسساته المختلفة المدنية والعسكرية يرزح تحت وطأة حاجته للمساعدات المالية ولتأثير الغرب على مكوناته الداخلية ، والرئيس علي عبد الله صالح لن يستطيع الهروب من الاستحقاقات المطلوبة منه وهي "الرحيل" وتسليم السلطة لمن بعده ، لتصل اليمن إلى جمهورية ترأسها شخصية منتخبة عبر صناديق الاقتراع وأحزاب تتنافس في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية .
الغرب له مصلحة في الثورة ، مثله مثل الشعوب العربية المتضررة من الأنظمة غير الديمقراطية الحاكمة ، فالنظام العربي غير الديمقراطي ، ولا أستثني أحداً منه ، من الملكيين أو الجمهوريين ، كان حليفاً للغرب في معركتين ، في معركة الحرب الباردة طوال الخمسين سنة من القرن الماضي ، ضد الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفييتي ، وفي الحرب ضد الإرهاب طوال العشرين سنة الماضية ، ولكن النظام العربي ، الذي بقي حليفاً وخاضعاً للسياسات والمصالح الغربية ولا يزال ، ولّد ظاهرتين تسببان الأذى للغرب أولهما ولّد التطرف والأصولية والإرهاب والعداء للغرب ، وثانيهما راكم الثروة بيد حفنة من الحكام ، مما أثر على الشعوب العربية التي بقيت أسيرة للتخلف والحاجة وسوء توزيع الثروة ، ولذلك يحتاج الغرب لهذه الثروة كي تعود على الشعوب بالنفع حتى تكون شعوباً مستهلكة للبضائع والسلع والخدمات الأميركية والأوروبية ، مما ينعكس إيجابياً على الغرب بهدف الإسهام في حل مشاكله الاقتصادية المتفاقمة .
وعلى أرضية هذا الفهم ، تقاطعت مصالح الغرب مباشرة مع مصالح الشعوب العربية التواقة للانعتاق وللتعددية وللديمقراطية حتى تكون قراراتها ومؤسساتها بيدها ، عبر انتخاب قياداتها من صناديق الاقتراع .
h.faraneh@yahoo.com
31/3/2011
