على الخيط الرفيع الجامع بين الأصالة والحداثة

single

*قراءة في كتاب "التربية للقيم في مجتمع مأزوم" للدكتور خالد أبو عصبة*

 


أهداني المؤلف هذا الكتاب مشكورًا، وهو شخصية مرموقة ومعروفة في المجتمع العربي لكثرة محاضراته عن التربية والعلوم الاجتماعية، فهو يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية ومحاضر وباحث مشارك كبير في هذه العلوم في عدة جامعات ومعاهد، وله عدة مؤلفات وخصوصًا في التربية والتعليم.
الكتاب يقع في 256 صفحة، وكتب في لغة جميلة وشيقة ورغم أنها علمية فهي سهلة للفهم، وعندما بدأت قراءته لم اتركه حتى أكملت المهمة.
أول خمسين صفحة تتناول النظريات الاجتماعية المختلفة لعدة فلاسفة في هذا العلم وهم كُثر. وباقي الكتاب عن القيم وتعليمها ومدى ملاءمتها للجيل.
الكتاب كما يقول مؤلفه بأنه يتناول "العلاقة الجدلية ما بين الأصالة من موروث حضاري وقيم السلف وما بين الحداثة بمفهومها الغربي".
الكتاب يطرح البعض من القيم الخاصة والمميزة لمجتمع مأزوم قيميًا من جراء تغيرات مجتمعية وثقافية تقصف به. كما ويساهم الكتاب في النقاش حول موضوع القيم في مجتمع يسعى لبناء جديد، ويطرح السؤال أين المسير؟ على حد تعبير المؤلف.
الكتاب صدر حديثًا في شهر أيار الماضي هذه السنة، لذا فهو يعالج العنف المستشري حاليًا في مجتمعنا، وهنا تقع أهميته حيث يتناول ظاهرة اجتماعية أدت بحياة ضحايا كثيرة ويصعب التخلص من هذه الآفة..
يعتبر الكاتب بأن المجتمع العربي في أزمة نظام مجتمعي. يُعرف الأزمة بشكل عام بأنها تعني خللا في التوازن داخل النظام، الأمر الذي يدفع المجتمع للتوجه والبحث عن توازن جديد.
تقسم الأزمات إلى نوعين: أزمة بناء ذاتي وأزمة مرضية.
أزمة البناء الذاتي دائمة الظهور، وهذا أمر طبيعي في حركة التطور والتقدم في أي نظام مجتمعي وهي أزمة عابرة ويستطيع النظام احتواءها بدون ضرر في النسيج الاجتماعي، مثال على ذلك، الهاتف النقال الذي احتوى النظام في هذه الظاهرة، التي أدت إلى تقدم المجتمع ولم تضر بالنسيج الاجتماعي ولا في لحمته.
الأزمة الثانية، وهي الصعبة والمرضية فهي غير عابرة، كونها أزمة غير طبيعية، وظهورها في المجتمع عادة يؤدي إلى نهاية الحالة المجتمعية الأصلية التقليدية وظهور مجتمع أو عدة مجتمعات صغيرة داخل المجتمع الواحد بحلة غير ملائمة يصعب التكهن إذا كانت هذه الحلة الجديدة سلبية أم ايجابية.

  • صدامات بين القيم


الكاتب يعتبر مجتمعنا يمر في أزمة مرضية، وإشارات ذلك ان النظام الأبوي الذي كان سائدًا في إشكالية كبيرة. ففي بعض الأسر ما زال قائمًا، بعضها تركته والبعض قد ضعف. فبعض الأسر التي تعاني من هذه المشكلة في مبناها الداخلي يستعمل الأب مع أبنائه وأهل بيته هذا النمط، ولكن أفراد الأسرة ترفضه مما يجعل الصدامات حتمية وقد تكبر وتؤدي إلى التفكك الأسري، إذا لم يتم التوافق على الحد الأدنى.
العلامة الثانية هي الانقسام الداخلي في المجتمع، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: 1. مجموعة المغتربين الذين يحبذون النمط الغربي في الحياة. 2. مجموعة المحافظين، الذين يرفضون التغير. 3. مجموعة أصحاب الازدواجية الاجتماعية والثقافية.
استقطاب كل مجموعة من المجموعات المذكورة من قبل الأفراد الذين ينتمون إليها ومن حولها يُعزز الصراعات والصدامات داخل المجتمع الواحد في نهاية المطاف، مما يؤثر سلبًا على عملية النمو المجتمعي السليم والذي في نهاية هذه الأزمة قد يُسفر عن نشوء عدة مجتمعات داخل مجتمع مُفكك.
الكاتب يعتقد ان مجتمعنا يقطع إلى أشلاء نتيجة الصدامات والتي في بعض الأحيان تأخذ شكل السلوك العنيف.
حتى هنا المذكور هو رأي الكاتب والكلام كلامه وبلغته. شخصيًا أنا اختلف مع الرأي المذكور ذلك لان التعددية في الآراء داخل الأسرة ونهاية السلطة الأبوية لا تؤدي إلى التفكك الأسري، ونرى ذلك على ارض الواقع بأنه في البيت الواحد آراء مختلفة وحتى انتماءات حزبية أو حركية مختلفة ولكن تبقى قدسية وحدة الأسرة واحترام الوالدين والتعاون ما بين أفراد الأسرة الواحدة.
نظريًا ربما قول الكاتب صحيح ولكن علميًا الأمر لم يؤثر على مجتمعنا العربي سلبًا وإنما إيجابا. بالنسبة للمجموعات المذكورة داخل المجتمع الواحد، فعلى ارض الواقع لم يُقسم مجتمعنا إلى أشلاء والعكس صحيح، فالمجتمع العربي متماسك أكثر من كل فترة زمنية مضت، وربما يؤثر على تلاحمه هو المصير المشترك والتهديد بالترانسفير والقوانين العنصرية التي هي بمثابة إعلان حرب على المجتمع العربي وعند الحرب تكون الجبهة الداخلية غالبًا قوية ومتماسكة إلا في حالات نادرة كما حدث في العراق.
الكاتب يدعو إلى التحكم في نمو وتطور منظومة القيم الجديدة في المجتمع بغرض دفع صيرورة النمو بشكل سليم.
رأينا يختلف، ذلك لان القيم الجديدة تنمو بنفسها وهكذا ينمو منها المجتمع ولكن بشكل بطيء وفي النهاية لا يصح إلا الصح، فاذا كانت القيم الجديدة مفيدة للمجتمع فيقبلها آجلا أم عاجلا وان كانت غير منطقية ومُضرة ففي نهاية المطاف يرفضها مهما دامت، وعليه لا يمكن التحكم في صيرورة القيم الجديدة في المجتمع بغرض دفعها للنمو بشكل سليم. إذا كان المجتمع بحاجة لهذه القيم الجديدة فهي بنفسها تتطور وتنمو وبشكل سليم وان كانت ضارة فهي تتلاشى وتنقرض.
الكاتب يعتبر الأسرة والمدرسة يمكن لها التحكم بالقيم من خلال العملية التربوية المجتمعية، في رأينا يمكن المساعدة ولكن ليس التحكم ذلك لان المفيد على الأرض يبقى  والزوان يزول. فالمسألة تتعلق بماهية هذه القيم الجديدة وليس بمجرد انها قيم أو قيم غربية، بالإضافة هناك قيم متأصلة فينا مثل الرأفة والحنان والعاطفة، والتي هي ضعيفة عند الغرب وقوية عندنا.
أوافق الكاتب على أمر واحد وهو ان الصدامات بين القيم الجديدة والقيم القديمة تحدث العنف، هذا صحيح ولكن أيضًا في النهاية الذي يقرر هو المصلحة والمنفعة للأفراد والمجتمع من أية قيمة جديدة كانت.

  • انتقال ترافقه أزمات


الكاتب يتساءل كيف لمجتمعنا ان يواجه العولمة وفي ذات الوقت هو مجتمع مشرذم تتحكم به العائلية والقبلية على المستوى القطري والمحلي، ويعتبر ذلك يوصلنا إلى مسلك العنف السياسي والاجتماعي والذي هو في تزايد ونلمسه في مدننا وقرانا في السنوات الأخيرة.
نتفق مع الكاتب بان العائلية والقبلية توصلنا إلى العنف، هذا صحيح ولكن عن مجتمعنا لا يمكن القول انه مشرذم بسبب العائلية والقبلية، صحيح انه تطل علينا العائلية والقبلية ولكن مجتمعنا في إسرائيل تطور بشكل ملحوظ والعائلية والقبلية في مأزق وهي تتلاشى وأحيانا غير موجودة وذلك بفضل نشاط الحزب الشيوعي، والحركة الإسلامية، فمثلا في بلدي أم الفحم لا مكانة للعائلية والقبلية. كما وان تأثير العولمة بحد ذاته يساعد على إنهاء العائلية والقبلية، كما واننا  نعيش في دولة القانون وهذا أيضا له تأثيره. العقول تغيرت وتطورت وهي نابذة للعائلية والقبلية وشبه المفقودة في مجتمعنا.
الكاتب يناقض نفسه، من جهة يتذمر من وجود العائلية والقبلية المتحكمة بنا، ومن الناحية الثانية يدعي بوجود تفكك عائلي وانعدام التضامن داخل الحي والبلدة خلافًا لما كان سائدًا في السابق.
سؤالنا ان كان يوجد تفكك عائلي فكيف للعائلية والقبلية ان تبقى؟
الكاتب يعتبر انه قد حدث تغير في مجتمعنا للأسباب المذكورة، التفكك الأسري وغيره، هذا التغير والانتقال يعتبره مأزومًا قيميًا خصوصًا لعدم مرافقته بأي تخطيط.
هنا اختلف مع الكاتب حيث ان المجتمعات تتغير قيميًا وبشكل بطيء تدريجي وليس بتخطيط مسبق ومثال على ذلك دخول الانترنت الى بيوتنا احدث ثورة في القيم والمفاهيم، هذه الحداثة الجديدة ربما تخلق لنا أزمات لأننا غير مؤهلين لهذا التغيير، ولكن من الناحية الثانية، لم نعرف انه يومًا سيدخل الانترنت بيوتنا لنخطط لقدومه، اما ان نبدأ بإرشاد أولادنا فهذا واجب وسليم أكثر.
صحيح قول الكاتب بان الانتقال من مجتمع محافظ إلى مجتمع عصري حداثي ترافقه أزمات اجتماعية، ونضيف ان الهوة في الايديولوجية بين الحركة الإسلامية والحركة الشيوعية تدعم وتقوي الأزمات المجتمعية، ولكن في النهاية لا يصح إلا الصح فالعالم يسير نحو الحداثة والتجديد وهذا لا يناقض تعاليم الإسلام الصحيحة وإنما يناقض تعاليم مشوهة تشد نحو المصالح الذاتية، فالقرآن ملائم لكل العصور والأجيال ويدعو إلى التجديد ومما جعل الشيخ جمال الدين الأفغاني وطه حسين، وقاسم أمين بالدعوة الى التجديد، ومن الناحية المضادة المحافظة التقليدية حسن البنا والسيد قطب، مؤسسي جماعة الاخوان المسلمين في مصر.
الكاتب يعتبر البيت والمدرسة مهمَّيْن جدًا للتربية على القيم، وهذا صحيح، دور المدرسة هو في نقل الموروث الحضاري وتحديد وتشكيل وصياغة المجتمع من خلال أهداف التعليم الرسمية ومضامين التعليم، ولكن وزارة المعارف تتعامل مع المجتمع العربي في سياق الأطر التقليدية دون استيضاح عميق لما يتعلق بالهوية الجماعية، على حد تعبير وقول الكاتب.
الكاتب يعتبر ان المدرسة العربية تسير باتجاه التحصيلي ولا تتعامل بشكل كاف مع القيم الجماعية، ان كانت قومية أو دينية لان الدولة لا ترغب بذلك، لأنها تعتبر ذلك مؤثرًا سلبيًا وحتى انهيشير إلى التطرف والانشقاق عن الدولة. المعلمون العرب لا يسارعون في التعامل مع قيم ذات مدلول قومي (الانتماء والهوية) ومع قيم دينية (العقيدة وليس فقط العبادات)، وذلك خوفًا من الإساءة على يد المسؤولين عنهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهكذا يعتبر الكاتب انه لم يُتح المجال أمام التعليم العربي في  إسرائيل ليكون أداة تغيير اجتماعي بسبب فقدانه لسياسة المبادرة.
ينتقل بنا الكاتب إلى الجزء الأكبر وهو عن القيم، منها العربية وغيرها ويدعو إلى تعليمها في الأسرة والمدرسة، ويحدد كل قيمة لأي جيل تصلح، وهكذا، هذه القيم التي يعددها معروفة للجميع ولا حاجة إلى ذكرها هنا فكلها قيم نافعة ومعظمها أخلاقية. أما عن القيم في الاقتصاد فلم تذكر، وربما ذكرت ولكن ليس بصورة بارزة وواضحة حتى انتبه لها.
برأينا اننا نعيش في مجتمع رأسمالي مُقلد للأمريكاني وخصوصًا عند الوسط اليهودي، ولكنه مهما يكون ومهما تكون أراؤنا بذلك فهي لا تقل أهمية عن القيم الأخلاقية، لذا حبذا لو تطرق للقيم الاقتصادية كاتبنا الموقر.
الكاتب أيضًا يشيد بالتربية الدينية وبموجب رأيه ان هذه التربية تساعد كثيرًا وتعطي وزنًا اكبر للقيم العامة والقيم الوطنية وفي نفس الوقت تُعزز الوعي بأهمية الأخلاق فالدين بنظر كاتبنا يقدم دعمًا أكثر للقيم الإنسانية من قوانين الدولة.
برأينا ان قول الكاتب في التربية الدينية ومنافعها صحيح، ولكن ومع هذا فليس هناك شرط للحصول على تلك المنافع المذكورة بان تكون التربية فقط دينية، لأنه يمكن ان تكون تربية مدنية، فتقدم الغرب لم يكن مشروطًا يومًا بالتربية الدينية، وأحيانا عند المتزمتين من رجال  الدين يمكن لهذه التربية ان تكون على مقاسهم وليس على مقاس الدين الحنيف والصحيح وعندها تضر هذه التربية بالإبداع كما حدث في أفغانستان.
في النهاية، يدعو الكاتب في المحاولة الى التمسك بالأصالة والتميز بها إلى جانب تطوير حداثة من خلال هذه الأصالة وليست حداثة مستوردة لا تلائم المقاس الثقافي في المجتمعات العربية والإسلامية. هذا القول يذكرني بما دعا إليه الشيخ جمال الدين الأفغاني الذي نادى بأخذ ما يلائمنا من الغرب وترك الباقي.
وانهي بشكري للكاتب على إبداعه وواسع معرفته.

 


(أم الفحم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ماذا وراء المبادرات المختلفة لحل الصراع الفلسطيني - اﻹسرائيلي؟

featured

التجنيد قمع وإكراه ضد الحريديم

featured

بشّار الأسد: الحوار أساس الولاية الثالثة

featured

القضاء على دولة إسرائيل!

featured

استمرار نتن ياهو في الحكم بمثابة عبوة ناسفة!

featured

البطل الأحمر الذي دحر النازية

featured

النظرية الثورية ليست عقيدة جامدة