بين الانتماء القومي والموقف الأخلاقي

single

*التعامل مع القضايا السياسية والأخلاقية بطريقة الأشرار ضد الأخيار هو أكبر تضليل عرفناه على مدى عقود

* الانتماء القومي ليس موقفا أخلاقيا، ولا يكفي أن تكون فلسطينيا أو أن تعادي إسرائيل لتتمتع بأخلاق إنسانية، فليس كل شيء فلسطيني هو خير وتقدمي وكل ما هو إسرائيلي شر وظلامي

* لا يمكن لدوائر الانتماء القومي أن تحكم الموقف الأخلاقي من أي قضية، بل أن يخضع الانتماء والممارسات القومية للأخلاق والقيم الإنسانية

 

هل يمكن لفلسطيني أو تيار فلسطيني أن يكون وراء جرائم قتل جوليانو مير خميس في جنين أو ناشط السلام فيتوريو أريغوني في غزة؟ ربما أن هناك أيدي غريبة وراء مثل هذه الجرائم لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد بين ظهرانينا فلسطينيون وتيارات سياسية على استعداد للقيام بمثل هذه الجرائم.
ليس كل شيء فلسطيني هو خير وتقدمي وكل ما هو إسرائيلي شر وظلامي. الانتماء القومي ليس موقفا أخلاقيا، ولا يكفي أن تكون فلسطينيا أو أن تعادي إسرائيل لتتمتع بأخلاق عالية وقيم إنسانية. الانتماء القومي، في نهاية المطاف هو انتماء فئوي، وحين يصل لدرجة التعصب يصبح شوفينيا أو بدائيا تحكمه عقلية قبلية. ومن جهة أخرى، الانتماء القومي ليس قـَدرا وليس عـِرقا تحكمه قواعد الوراثة، بل هو نتاج سيرورة سياسية واجتماعية يتبنى فيها الناس قضية ربما تكون عادلة أو غير عادلة بحسب موقعهم في الصراع. يكون في أساس هذه السيرورة طرف قامع أو معتدي وطرف مضطهَد أو مظلوم، يتم خلالها حشد فئات من جذور عرقية وطائفية وإثنية مختلفة وراء قضية تحرر من قامع أو محتل وخلف شعار وعلَم ومن أجل هدف واحد. هكذا تحولت أوروبا من قبائل متصارعة إلى قوميات ودول قومية كما نعرفها اليوم. هكذا "صُنعت" معظم شعوب العالم وهكذا صنع الشعب اليهودي بحسب رواية توراتية ورواية عن شتات وتوق للعودة إلى الوطن، وهكذا أيضا صُنع الشعب الفلسطيني من خلال سيرورة مواجهة مع الصهيونية، فتم تحشيد أناس من جذور إثنية وطائفية وجغرافية وراء رواية فلسطينية ومن أجل قضية ووطن. لكل طرف روايته ورموزه وأبطاله وقيادته التي تحشد الجماهير وراء علم قومي وثوابت قومية، وليس في هذا التشابه تجاهل للفرق بين الطرف الذي قام بجريمة النكبة وبين الطرف الذي حلت به النكبة.   
لا يمكن لدوائر الانتماء القومي أن تحكم الموقف الأخلاقي من أي قضية أو حدث، وعليه فليس كل من هو معاد لإسرائيل هو صديق وكل من يساندها هو عدو. على الموقف الأخلاقي أن يكون واحدا بغض النظر عن الانتماء القومي للفاعل أو المفعول به. على الانتماء القومي أن يخضع للأخلاق وللمرجعيات الإنسانية وليس العكس، بل إن الأخلاق وحقوق الإنسان هي التي يجب أن توجه قراءاتنا السياسية للصراعات القومية وتوجه مواقفنا وممارساتنا.
حق الإنسان في الحياة والحرية والعيش الكريم هو قيمة عليا يجب أن يخضع لها انتماؤنا القومي. وعليه يجب أن تقيَّم الأمور بهذا المعيار وليس بمعايير التراب والمقدسات والوطن التي كلها تكون بدون قيمة إذا ما غاب الإنسان عنها وغابت حريته. بناء على هذا الموقف الأخلاقي نحن نستنكر قصف غزة ليس لأن سكان غزة فلسطينيون ينتمون "لقبيلتنا" بل لأنهم بشر، وعليه بالتالي يجب أن نستنكر أيضا قصف المدن الإسرائيلية بقذائف القسام أو غيرها وألا نغض الطرف عنها بحجة أن شعبنا منكوب. بل لأن شعبنا منكوب هو أحوج ما يكون إلى جعل الأخلاق هي سيدة الموقف.
قيمة حماية المدنيين قيمة عليا هي الأخرى، ووفقها يجب أن نتخذ مواقفنا من الأحداث، لذلك كان يجب أن يُسمَع صوتنا عاليا قبل شهر لاستنكار جريمة قتل خمسة أفراد من عائلة واحدة في مستوطنة إيتامار حتى لو كانوا مستوطنين، وأن نعبر عن غضبنا على الفاعلين وندعو لمحاكمتهم حتى لو كانوا فلسطينيين، ولا نعتبرهم لاحقا سجناء حرية أسوة بسجناء الحرية الحقيقيين. أما الاستنكار الخجول لمثل هذه العملية فلن يضيف لرصيدنا الأخلاقي والقومي شيئا بل بالعكس. ومرة أخرى ليس في هذا الموقف مطابقة بين الطرف الذي يحتل ويقمع وبين الطرف القابع تحت نير الاحتلال.
الموقف القومي الأخلاقي هو أن تتجرأ على نقد الممارسات الفلسطينية غير الأخلاقية حين تجيء من قبل السلطة الفلسطينية أو حماس أو أي مناضل فلسطيني. كذلك أن تتجرأ على التضامن مع طرف إسرائيلي استبيحت حياته أو حرياته. ربما يعتقد البعض بأن هذا النهج الأخلاقي غير الخاضع للانتماء القومي إنما يضعف القضية ويجانب الطرف الإسرائيلي أو يقويه. رأيي هو معاكس تماما لهذا الاعتقاد. ففي معادلة الصراع غير المتوازنة من حيث القوة يبقى الموقف الأخلاقي سلاحا لا يقل أهمية عن القوة العسكرية أو الاقتصادية أو التكنولوجية. هذا الموقف الأخلاقي، وليس قوة السلاح، نجح بإسقاط طغاة تونس ومصر. إنه نفس الموقف الأخلاقي الذي جعل الانتفاضة الأولى تفرض على إسرائيل إعادة حساباتها. حين تضيع الأخلاق تضيع القضية.
يكثر الحديث مؤخرا عن وجود مؤامرة أمريكية-غربية-إسرائيلية للسيطرة على المنطقة وإسقاط الأنظمة "القومية" وعلى رأسها سوريا. في جميع هذه الحالات يمكن أن نرى كيف أن الأنظمة القامعة، وليس الشعوب، هي الطرف الذي يستخدم ويلوح بالانتماء القومي لمواجهة "المؤامرة" أما الشعوب فتتحدث بلغة حقوق الإنسان والحريات. أعتقد أن الأمر ليس بمؤامرة بل صراع سياسي معروف ومكشوف بين أمريكا والغرب وإسرائيلية وبين شعوب المنطقة، أما وصفها على أنها "مؤامرة" ففيه تضليل يهدف إلى إضفاء طابع غيبي خفي على السياسات لشلّ تفكير الشعوب وجعلها تسلم أمرها لحكامها "المستهدفين" والعالمين ببواطن "المؤامرة". وكأننا في مسرحية "بياع الخواتم" التي ادعى فيها المختار كذبا أن هناك عمليات سطو يقوم بها شخص يدعى راجح، لكي يلتف الناس حول المختار ويدركوا أهميته في حمايتهم. بغض النظر فيما إذا كانت هي مؤامرة أو سياسات معروفة ففي كلتا الحالتين الأنظمة العربية إذا أرادت أن تكون "قومية" فلا بد لها أن تكون "أخلاقية" أيضا وتتحمل المسؤولة تجاه معاناة شعوبها، وتكف عن القمع الحاصل ضد شعوبها المطالبة بالحريات في ليبيا واليمن والبحرين والأردن وسوريا مع الاختلاف فيما بينها.
التعامل مع القضايا السياسية والأخلاقية بطريقة الأشرار ضد الأخيار هو أكبر تضليل عرفناه على مدى عقود. نحن مدعوون للولاء لموقف أخلاقي إنساني عابر للانتماءات القومية يجعلنا ندرك الشر الذي فينا ونناهضه، كما ندرك الخير الذي في الآخر ونتواصل معه.

قد يهمّكم أيضا..
featured

السفارة التي فقدت علمها

featured

ايقظوا مشاعركم وأحاسيسكم ايها المتنعّجون من العرب

featured

قانون جبان وأحمق كأصحابه

featured

احقا انتهت الحملة العسكرية ؟

featured

خمس ملاحظات سريعة أو متسرّعة

featured

إعتداء مرفوض على الأقصى!

featured

حديث الصور والمرايا

featured

الأومباشي الفقيه...