في مرتبة الشهداء

single

لكل أم في المجتمع طابعها وأخلاقها التي تتجلى بها وتتميز بها عن باقي الأمهات، وهذا بسبب البيت الذي تربت ونشأت وترعرعت فيه، فالأهل أي الأب والأم يختلفان من بيت لآخر في تربية وإنشاء أبنائهما، فالإنسان أي إنسان كيفما يتربى وينشأ عند والديه تنتقل وتستمر هذه التربية إلى الأبناء والأحفاد، فالإنسان بعد ان ينفصل عن والديه ويستقر في بيته الخاص به يبقى متذكرًا ومتأثرًا بتربية والديه، أي ان تربية الآباء تنتقل بنفس المفهوم والمستوى من جيل إلى جيل، وصحيح ان الأمهات يختلفن عن بعضهن البعض بالتربية والأخلاق والعلم والثقافة، إلا ان للأمهات في أي مكان وزمان صفات مشتركة لا جدال فيها مثل الحنان والعطف والإخلاص والتضحية لأولادهن وبيوتهن، ومنذ القدم حتى يومنا هذا كم تغنى الشعراء ومجدوا ورفعوا من شأن الأم على مختلف انتماءاتهم القومية واللغوية.
لقد كانت هذه المقدمة لا بد منها حتى تكون مدخلا لما أريد ان أصل إليه وهو بيت جدي (والد أمي)، فقد كان ولا يزال بيتًا ملتزمًا بالدين، أي الصلاة والصوم والزكاة والحج، وعلى هذا نشأ كل بيت جدي، وأمي رحمها الله تربت ونشأت على هذا الالتزام، وفي أي عمل أو تصرف كانت تقوم به كانت تضع أمامها مخافة الله وحب الدين، وهذه التربية والنشأة بقيت أمي متأثرة بها ونقلتها إلى بيتنا، فنشأنا نحن الاخوة الثلاثة على حب الدين ومخافة الله، فقد علمتنا أمي منذ ان كنّا أطفالا صغارًا على صوم شهر رمضان وقراءة القرآن، وان نكون جادين ومخلصين في أي عمل نقوم به في حياتنا اليومية، ولمن لا يعرف أنا نايف محمد الحاج ابن المرحوم المحامي الكبير محمد نايف الحاج، الذي تشهد له المحاكم بوقفاته البطولية دفاعًا عن المظلومين والمستضعفين، وكذلك ساحات ومنصات شعبنا تشهد لوالدي بوقفاته البطولية، فوالدي عدا انه كان محاميًا كبيرًا، كان أيضًا من مؤسسي فرع حزبنا الشيوعي في كفرياسيف، وانخرط في العمل الحزبي بكل ما أوتي من قوة وجهد، ولم يبخل بالعمل والمال لأجل تقوية الحزب، فوظيفة المحاماة كانت همّه الأول، وهمّه الثاني كان الحزب، لكن هذه المكانة المرموقة التي كان يتمتع بها والدي لم تدم له طويلا، فقد مات في سن مبكرة، ونحن الاخوة الثلاثة وأمي تأثرنا من وفاة والدي بالغ الأثر، حيث في صغرنا عشنا طفولة مضطربة وتضعضعت مكانتنا بعض الشيء من الناحية المادية، ومنذ وفاة والدي تسلمت أمي زمام الأمور، فعملت على تربيتنا تربية صالحة وسليمة وكانت تشجعنا وتحثنا على الالتزام بتعاليم الدين، وكانت تشجعنا على العلم والتعلم، ودائمًا كانت تقول لنا إن أردت ان ترتاح في حياتك فتعلم، كما قامت أمي بإدارة البيت من الناحية المادية، فكانت تختصر على نفسها بالمشتريات لأجل مستقبل أولادها، وفي واقع الأمر منذ وفاة والدي عاشت أمي حياة تقشف وتزهد إلى يوم وفاتها، فضحّت بالغالي والرخيص لأجل سعادة أبنائها.
لقد كان لزامًا عليّ ان اكتب هذه المقالة لأعبر فيها عن اصدق مشاعري تجاه أمي، فقلبي يعتصره الألم لفقدان أمي، فقد كتبت ما كتبت وأنا غير مصدق ان امي لم تعد بيننا، لكن من الآن فصاعدًا كل شيء في بيتنا سيذكرنا بأمي، وكل شيء حول بيتنا سيذكرنا بأمي، ولن ننسى أيام الزيتون التي عملنا بها مع بعض من طلوع الفجر إلى غياب الشمس.
في التاريخ القديم والحديث هناك ناس ماتوا ميتة طبيعية لكن ميتتهم كانت مثل موت الشهداء الذين يدافعون عن أرضهم أو بيتهم وعرضهم وأولادهم وعلى سبيل المثال لا الحصر واحدة من هؤلاء الشهداء الذين ماتوا ميتة طبيعية أي لم تمت في معركة وكانت ميتتها مثل موت الشهداء وفي مرتبة الشهداء هي رابعة العدوية التي عاشت في العصر العباسي وأطلق عليها لقب شهيدة الحب الإلهي.
وأنت يا أمي صحيح انك توفيت وفاة طبيعية إلا ان تضحيتك وإخلاصك لنا ولبيتنا سيجعل وفاتك مثل موت الشهداء وفي مرتبة الشهداء، فعزاؤنا في رحيلك يا أمي ان تربيتك الصالحة وأعمالك الحسنة ستبقى حاضرة في كل موقف وعلى مر الأيام.
رحمك الله يا أمي، وأسكنك فسيح جناته.



(كفرياسيف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

انتهى مونديال المنتخبات لينطلق مونديال الانتخابات

featured

سوف يبحثون عن سبب

featured

التوجّه لهيئات قضائية دولية!

featured

شهر العسل البيبيّ

featured

لتعكير صفوة الفرح بتفتيتنا!

featured

هـل يمثلـون الإسـلام أم يمثلـون أنفسهـم؟