الاعلامي باسم يوسف – تحريض "اخواني" ضده يصل حد القتل!
"لم يهرب لكن السجن لفظه كما لفظ يونس الحوت".
المسافة هنا بين الفانتازيا والواقع قصيرة الى حد لا تعرف هل هذا الوصف "سخرية" أم "نص حقيقي" يصف به محمد البلتاجي (من زعماء "الاخوان المسلمين") قصة هروب الرئيس محمد مرسي من السجن. القصة تتحول كل يوم ومع تداعياتها المدهشة، الى واحدة من القصص الخرافية جداً - الواقعية جداً.
بعد الثورة كان للاكتشافات سحر يقود العين المدربة على الاطمئنان لرؤية ما لا تراه في الواقع. الدهشة اصبحت عادية، بما في ذلك انه تحت الحديقة المبهرة في قلب حي مدينة نصر سجن من السجون السرية لامن الدولة. بناء كامل من اربعة طوابق له فتحات تهوئة تغطيها نخلات صناعية رشيقة.
السجن السري اصبح حدثاً عادياً مقارنة بالخوارق المحشوة في كلام عن الحوت ومرسي والسجن. تأويلات من افراطها تضيع التفاصيل. كيف تكلم مرسي عبر الهاتف في يوم قطع فيه حبيب العادلي شبكات الاتصال كلها؟ من اوصل الثريا الى السجين ليقول انه لم يهرب لكن الاهالي فتحوا الزنزانة عليه؟ وما هي القضية التي سجن بسببها؟ ولماذا لم يعد الى السجن مرة اخرى او يظهر ملف سجنه في اوراق التحري الخاصة بالترشح للرئاسة؟
خوارق تبدو معجزات عند اهلها. هذا ما يفسر به الاخوان حوادث واقعية تربك العقل المنطقي، الباحث عن معايير، او حتى التجريبي. ومجازات آتية من عالم افتراضي كامل يتحول فيه الإخواني من انسان عادي إلى كائن من طينة اخرى "يستقبل" و"يرسل" الى العالم رسائل وشفرات من اللاوعي الاخواني الذي تحول مع الزمن الى صندوق نفايات الافكار الموروثة من الفاشية والنازية الى ركام الحكام المستبدين في الدول الفاشلة... لا تستطيع التعرف على خطاب اخواني متكامل وسط خلطة النفايات المزروعة في الرؤوس كأنها حقائق باهية، او شبكات ذات طبيعة يصفونها احيانا بانها ماسونية، وهي في حقيقتها ليست الا رابطا يمنح للشخص/ الرجل المتوسط وزنا "افتراضيا" بانضمامه الى "صفوف" الجماعة.
هذا ما يجعل التنظيم ولا شيء غيره سر الاخوان ومعجزتهم... ليس لديهم الا جسم كبير برع الشطار في الحفاظ عليه، وعندما خرج من الكهوف السرية انكشفت قدراته الضعيفة، وانعدام كفاءته... وبرغم ذلك لابد ان تصدر بين الحين والاخر خطابات تطمئن "الطليعة المؤمنة" وتوحد صفوفها. وهذا ما يجعل "خبيراً تربوياً" على صفحات "اخوان اونلاين" يصدر كتيبا من 124 صفحة اسمه: "الرئيس مرسي يبني مصر من جديد"، وذلك حتى "لا تصاب قلوب أعضائها (الجماعة) بالخوف والهمة بالفتور، وكذلك لتوضيح أعمال وإنجازات الرئيس ورجاله وأنهم يبذلون الغالي والنفيس لرفعة الوطن، ودحض حجج الحاسدين والرد على كلامهم وافتراءاتهم".
تتخيل بعد قراءة الكتاب انه مسودة حلقة من حلقات باسم يوسف، او أنه مكتوب ليكون مادة خام لسخريات هي اكثر ما يواجه "هيلمان" دولة الاخوان.
الكتاب مكتوب بجدية "اخوانية" لا تثير سوى الضحك، وتساهم عندما تخرج من سراديب الجماعة في تحطيم كل ما تبنيه على الارض.
ويكفي الاطلاع على ما يراه الكتاب انجازات مرسي التي تحجز له مكانا في موسوعات الاوائل، فهو: "أول رئيس مصري منتخب، أول رئيس مصري مدني، أول رئيس مصري ملتح، أول رئيس مصري موكبه لا يعطل حركة المشاة والمرور، وأول رئيس مصري يمنع نصب الطرق الصوفية، وأول رئيس مصري يسمح بظهور مذيعة أخبار محجبة في التلفزيون منذ 52 سنة، وأول رئيس مصري ابنه يحصل على أقل من 90 في المئة في نتائج الثانوية العامة، وأول رئيس عربي مدني ينقلب على العسكر، وأول رئيس عربي تزور كلمته، وأول رئيس عربي يرفع قضايا ضد خصومه، وأول رئيس عربي يسلم على الضابط الذي سجنه ولا يعاقبه، وأول رئيس عربي يصلي كل جمعة في مسجد جامع، وأول رئيس عربي ابنه يعمل موظفا في الخارج".
وبعيدا عن المصداقية في بعض المعلومات (فالرؤساء السابقون لم يكن لهم ابناء يحصلون على مجاميع 90 في المئة كما ان جمال مبارك كان يعمل في مصرف لندني واول مذيعة محجبة ظهرت ايام السادات)، فإن الكتاب الجاد هزلي حتى النخاع، والمبرر الوحيد لكتابته انه "لا يوزع الا بين شباب الجماعة"، فهو خطاب داخلي لمن لا يقرأون سوى "رسائل حسن البنا" ويتصورون العالم وفق سردية كبيرة خارج التاريخ عن الجماعة التي ستعيد الاسلام الغريب ونهي الجاهلية الحديثة.
في هذه السردية مرسي "خليفة الا قليلا"، والهيبة هي اساس حكمه. ولا بد للهيبة من معجزات، يحاول الكتاب تسجيلها بمقدمة لها عنوان مهم: "ربانية المشهد".
ماذا تعني الربانية هنا؟
وصف غامض، توصف به الجماعة في ادبياتها من دون تفسير لمن خارج المعازل الاخوانية، واستعاره المتكلمون عن حكم مرسي لاضفاء الهيبة والسحر على الرئيس -الخليفة.
ولهذا تحول "الاراجوز" كما يسمون باسم يوسف الى عدوهم الاول، لأنه يهز الهيبة، ويحرض على السخرية منها، محطما اساس حكم الخليفة.
لماذا يخافون من الاراجوز؟
سأل باسم يوسف نفسه اكثر من مرة متحدثا عن نفسه في مواجهة "اصحاب مشروع دولة الخلافة" الذين يحاولون بناء صنم كبير في قلب مدينة مسّتها روح الثورة.
باسم يوسف قادم من عالم افتراضي اخر، كانت المدينة تشكل فيها فضاء يتسع للتعبير الفردي الحر، خارج سلطوية العائلة والمدرسة والمسجد، وبمرجعيات لا تغرق في طقوسية الايديولوجية او كليشيهات الخصوصية المحلية.
ملامحه لا توحي بأنه ابن نكتة تلقائي، سخريته مبنية على عمل جدي، ومعرفة تجعله صياد مفارقات التقت مع مزاج تكسير الابوية بثقلها السلطوي.
هنا تصادم الاراجوز والخليفة مرسي الذي تربى على سلطوية عاش في ظلها واصبح له مكان لانه ابنها البار... وكلما خضع للسلطوية ترقى في مكانه واتسعت سلطاته... إلى ان قادته الصدفة ان يصبح في اعلى هرم السلطوية نفسها.
الاراجوز حرم الخليفة من متعة اعادة بناء صنم الهيبة، وتألق في اللحظة ذاتها التي حشدت الجماعة كل قوتها لاعادة بناء صنمها.
ولان باسم في حرب مع بناة الاصنام، تحول كل مكان الى مسرح للاستعراض من المسرح الى الشاشة، ومن المقهى الى مكتب النائب العام... كلها مسارح للحرب بين الاراجوز والخليفة الذي بدلا من بناء برنامج سياسي، يبني هيبته الفارغة... وفي الحرب بينهما يكسب باسم (وتختاره التايم ضمن اهم 100 شخصية مؤثرة) على حساب مرسي الذي تصور انه يقود الغزوة الكبرى.
("السفير")
